تنحنح الشيخ الجليل على منبر الجمعة، وراح يعظ الناس بالخيرات بمناسبة اقتراب الشهر الفضيل. قال "فضيلته" –محذراً- إن من بين الناس من يستعدون لرمضان بالتحضير للفسق والفجور، ومن ذلك، بحسب وجهة نظره، الترويج للمسلسلات الرمضانية! وأضاف بكل ثقة، أن هؤلاء المتابعين للمسلسلات على شاشات التلفزيون، في ليالي رمضان، إنما يقدمون على معصية، وعليهم أن يستعدوا لتبعات أخرى فصّلها "فضيلته" باستمتاع شديد.
وبصفتي كنت مستمعاً يشعر بالممل مما يقوله الشيخ المحترم، كحالتي في معظم خطب الجمعة، التي أرضخ فيها للقصف الفكري غير المحمود الذي ينطق به أنصاف متعلمين استولوا في غفلة من الزمان والتاريخ على منابر رسول الله، فرحوا يضلون الناس، لا بنيّة إفسادية مسبقة منهم، وإنما لأن "فاقد الشيء لا يعطيه"، فقد فهمت أن الذي يستعد لرمضان بمثل هذا الكلام الممجوج، إنما هو الشيخ نفسه، وأقرانه ممن نطقوا بالكلام ذاته، من دون ريب، في مساجد أخرى تمتد على رقعة عالمنا العربي المأزوم والمكلوم في حاضره ومستقبله.
ليس ثمة مدخل للربط بين مشاهدة التلفزيون في رمضان، وتهمة ارتكاب الآثام، إلا ذلك الفهم الماضوي للإسلام، الذي يروّج له أمثال ذلك الشيخ المحترم. ثمة ربط قسري في وعي هؤلاء، إن كان لديهم وعيهم، بين الصورة المثالية للإسلام الذي يريدونه ويفهمونه، والصورة التاريخية التي عاش فيها المسلمون الأوائل. ثمة، إذن، مساواة بين الإسلام والتاريخ، ما يجعل كل سلوك أو ممارسة، حراماً، إذا لم تكن موجودة في التاريخ، وحلالاً إذا كانت فيه، فيا ويل الاختراعات الجديدة إذن، وأولها التلفزيون!.
أزعم، من جهتي، أن كثيراً من مسلسلات رمضان التلفزيونية، تنطوي على حكم وقيم أكثر مما تنطوي عليه مواعظ تعود إلى تاريخ مضى وانقضى، ولم يعد معاشاً أو ملموساً. لنأخذ مثلاً مسلسل "شرف فتح الباب" الذي بثته الفضائيات في العام الماضي، من بطولة النجم المبدع يحيى الفخراني. دارت فكرة المسلسل على أن الدنيا تمثل ساحة للتيه العظيم، لذا يكون على الإنسان أن لا ينساق وراء رغباته، وأن يتذكر دائماً مكارم الأخلاق، ويستعد للآخرة فلا يبيع آخرته بدنياه، وجاء كل ذلك بقالب درامي جذّاب، لا انتهاك فيه للأخلاق أو الفضائل، بل حثّ عليها من دون تنطّع وتجاوز لواقع المجتمعات العربية المسلمة.
هل يُعقل أن يصنف مسلسل كهذا في خانة الفسق والفجور؟ بالطبع لا، لكنه فهمهم القاصر لمرامي الإسلام النبيلة، وهي المرامي التي تدور حول الفضيلة والأخلاق، أي حول الجوهر لا حول المظهر، لأن الأخلاق هي الأساس الذي تقوم عليه الحضارات بين كل شعوب الأرض، وفي ذلك تأكيد متواصل على أن الإسلام هو دين الفطرة، الهادف لإعمار الأرض عبر إنهاض الهمم وتهذيب السلوك البشري.
كالعادة، وحتى لا أترك مجالاً لهواة الاصطياد في الماء العكر، فإنني أؤكد أن فكرتي هنا لا تدعو للابتعاد عن شعائر العبادات في نهارات رمضان ولياليه، بل هي دعوة للالتزام بها من دون تنطع وتعقيد، فليس ثمة تعارض بين الصيام والصلاة من جهة، ومشاهدة مسلسل تلفزيوني ذي قيمة من حيث النص والإخراج والبنية الدرامية، أو متابعة برامج ترفيهية لا إسفاف فيها، من جهة ثانية، ولعل هذه "الجهة الثانية" خير وأجدى من الاستماع لكلام ممجوج لا يرى صاحبه أبعد من أرنبة أنفه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية