شغلني تذكير أحد الأصدقاء لي بأن "لكل من اسمه نصيب". تساءلت: أليس في ذلك نوع من الظلم إذن؟ المرء لا يختار اسمه بنفسه، فكيف يكون عليه أن يتمثل صفات أرادها له أبواه، ولعله لا يرغب فيها؟.
لا بد أن ثمة بين الناس من لا تعجبهم أسماؤهم، لكنهم مضطرين للتظاهر بقبولها، بل والدفاع عنها وتكرار الإشارة إلى "فضائلها"، من دون أن يتمكن واحدهم من الوقوف لحظة صدق مع الذات ليعترف: لا أحب اسمي، وليتني أملك الخيار، إذن لاتخذت اسماً آخر على الفور!.
من هؤلاء من أطلقت عليهم عائلاتهم أسماء اشتهرت في التاريخ لكنها لم تعد متداولة، أو أسماء تنتمي للجيل السابق ولا تناسب جيلهم، كحال من يُسمى باسم جدّه، أو تُسمى باسم جدّتها. هؤلاء لا يحبون أسماءهم، ولا يشعرون تجاهها بالرضا، وهكذا فإنهم لن يعيشون مرتاحين تماماً. لذلك، نجد هناك من غيّروا أسماءهم المتداولة، واتخذوا أسماء جديدة باتوا يُعرفون بها، لكن من دون أن يطال التغيير الأوراق الرسمية. على أن هذا يجعل الحياة أصعب، لأنه يوفر حلاً شكلياً لا جذرياً.
الأمر لا يتوقف عند الأسماء التي تنتمي لأزمان أخرى، بل يشمل أيضاً تلك التي تنتمي لحضارات أخرى أو ثقافات أخرى أو شعوب أخرى، وفيها يفرض الآباء على أبنائهم قبساً من أفكارهم واعتقاداتهم وهواياتهم، وهو مما قد لا يرضى عنه الأبناء في المستقبل، بل إنهم لن يرضوا عنه بالتأكيد، فليس ثمة من يتمنى أن يعيش غريباً مع أهم مفاتيحه مع العالم: اسمه.
قد يظن بعض الآباء أن في إطلاق أسماء غريبة على الأبناء، ما يجعل أبناءهم مميزين بين أقرانهم. إن في ذلك كثيراً من ضيق الأفق، فالتميّز حينها يكون في المحيط الضيق للفرد، أي بين العائلة والمعارف، أما في المحيط الأوسع، وهو الأهم، فيكون الاسم الغريب مثاراً للتعقيد والإشكالات بالتأكيد.
كتبتُ مرّة أن أكثر الأسماء التي تصنّف في هذه الخانة، هي تلك التي يظن الآباء والأمهات أنها من "طاعة الله"، وأنها أسماء "إسلامية"، وأنها مما يُكسب الأجر أو يبارك في حياة الأبناء، مع أنها في حقيقة الأمر ليست سوى أسماء من زمان آخر، ترتبط بالتاريخ الذي وجدت فيه، لا أكثر. تسمية الأبناء بهذه الطريقة، هي إحدى وجوه تعلق بعض الناس بالماضي، وتمنيهم أن يعود من جديد، أو أن ينتقلوا هم للعيش فيه، مع أبطاله الذين يسمعون قصصهم، ويسموا أبناءهم بأسمائهم. يكبر الأبناء الذين يحملون تلك الأسماء، فيحسوا بشيء من "التميز السلبي" عن أقرانهم الذين يحملون أسماء خفيفة ومعاصرة، أو من تلك التي تصلح لكل الأزمنة، وحينذاك يبدأ إحساسهم بالظلم الذي أوقعه عليهم آباؤهم، الذين أطلقوا عليهم أسماء تشعرهم بالغربة عن الناس والزمان الذي يعيشون فيه.
هنا، سنذهب إلى القول أن التقرب إلى الله، لا يكمن في اتخاذ أسماء تاريخية نظنها "إسلامية"، وإنما في تسمية الأبناء بأسماء تشعرهم بالرضى عن أنفسهم وتوفر لهم سهولة العلاقة مع الناس والمجتمع والأقران.
إن في تسمية الآباء للأبناء بأسماء لا تناسب جيلهم أو محيطهم، كثيراً من الأنانية، لأنها أسماء لا تبعث السرور والسعادة إلا في نفوس هؤلاء الآباء. إنهم بذلك كمن يهتم بسعادته وحده، ولا يهتم بتيسير عيش أولاده وقبولهم في المجتمع.
على المرء أن "يعدّ حتى العشرة"، قبل أن يورّط ابنه في اسم يكون له منه في حياته نصيب!.

















18 يوليو, 2009 08:36 ص