في الخامس من حزيران، لا أستطيع إلا أن أتذكر ذلك التفسير الجميل الذي قدّمه الشاعر الشعبي المصري أحمد فؤاد نجم، حول التشييع الشعبي الهائل الذي حظي به جمال عبد الناصر، برغم عهده الأمني الشاق على المصريين، وهزيمته العسكرية المؤسفة في حزيران. قال نجم: هؤلاء الذين خرجوا خلفه لم يكسبوا منه شيئاً. كانوا كلهم متضررين من حكمه، لكن وجوده بينهم كان يعطيهم شيئاً واحداً: الأمل.
الأمل. الأمل. لا معنى لهذه الكلمة إلا إحساس الناس بأن ثمة برنامج عمل يجري تنفيذه فعلاً، لبلوغ غاية وطنية عليا، تستحق أن يُضحى في سبيلها بالغالي والنفيس: لا بأس في التنازل عن شيء من الحرية، وقبول ضيق ذات اليد، ما دام ذلك يُقدّم في سبيل تحقيق كرامة الأمة، واستعادة مكانتها بين الأمم.
أما بانعدام الأمل، فلا مجال للتضحية، إذ لا برنامج عمل يستحق الجهد والوقت والتنازل. بانعدام الأمل، يكون المجال مفتوحاً للانتهازيين والباحثين عن المصالح الخاصة، فليس ثمة مصلحة عامة حقيقية، يحميها من لا مصالح خاصة لهم!.
على ذلك فإن "الأمل" لا علاقة له بالحال الراهن للأمة، حتى لو كانت تعيش واقعاً صعباً، بل بما تطمح أن تكون عليه في المستقبل المنظور. وهكذا، فإن من لا أمل عنده، لا خطة يعمل لها، وهكذا أيضاً فإن تغيير الحال يبدأ من غرس الأمل في النفوس، وإخراجها من اليأس والإحباط الذي تعيشه، وذلك لا يتحقق إلا عبر الإحساس بوجود برنامج عمل حقيقي، له غاية واضحة يُراد تحقيقها، ويُعمل لها بإخلاص.
ثمة حاجة قبل كل شيء لنظرة كلية لأزمتنا الحضارية، ولإدراك كلي لها، ثم بالضرورة لصياغة برنامج عملي إنهاضي، كليّ هو الآخر، ليبعث في النفوس كلها أملاً واحداً، فتكون لها غاية واحدة تنخرط فيها بإخلاص، وتحميها بدأب، مع ترك هامش للمتطفلين والوصوليين طبعاً!.
لكن كيف للنظرة الكلية أن تكون من دون مساهمة "أصحاب النظر"؟! إنهم لذلك مدعوون لممارسة دور مركزي في صياغة برنامج العمل الكلي، والمطالبة بإنفاذه. هذا هو الدور التاريخي للمفكرين العرب، المتناثرين، الغائبين، الذين يعملون منفردين، فلا ينتجون إلا أفكاراً مجردة لا تغادر رفوف المكتبات.
بمناسبة الخامس من حزيران، الذي ما نزال نعيش تداعياته حتى الآن، وأولها انكسار الأمل فينا، يحق لنا أن نرى ذلك الجزء الإيجابي في تعاطي أمتنا الخاطئ مع أزماتنا. نعم: إيجابية الخطأ. إنها باختصار اندفاع الأمة وراء كل من يلوح لها ببصيص أمل، حتى لو كان يحمل مشروعاً فاشلاً، أو مسيئاً، أو ضيق الأفق، ففي إيجابية الخطأ تلك دليل على أن "حب الأمل" ومن ثم "حب العمل" ما يزالان رابضان في النفوس، ينقصهما من يضيء من أجلهما شمعة، ويعلّق الجرس.
بمناسبة الخامس من حزيران، لا نملك إلا أن نقول كلاماً عاطفياً، ولكن حزيناً، على أمة استسلمت لهزيمتها العميقة من الناحية العملية، من دون أن تستسلم روحانياً. أكثر من أربعين سنة لم ننجز فيها تقدماً يغير الحال، بينما كانت سنوات أقل من هذه الفترة الطويلة، كافية لأمم أخرى لأن تنتقل من حال إلى حال، فيصير تأخرها مجرد ذكرى، وتقدمها مجالاً للفخر.
أيها الخامس من حزيران، يا أثقل أيام العرب المعاصرين: متى تصير مجرد ذكرى، فننساك من يومياتنا، ولا نعيشك كل يوم؟!.










18 يونيو, 2009 01:15 م