لنتكلّم

المعركة الحضارية الحقيقية، هي: في المجتمع، ومع ثقافته.

المبدأ الأول

ثمة عوامل موضوعية عديدة تعيق إعادة إطلاق الحلم العربي بالنهضة، الذي تعطّل منذ وصول الاستعمار إلى بلادنا العربية في منتصف القرن التاسع عشر. لكن ذلك ليس كل شيء، فثمة أيضاً عوامل فكرية تعزز هذه "الإعاقة"، قوامها عدم فهم "المبدأ الأول" لإنجاز أية نهضة، برغم أنه كان هو ذاته المبدأ الذي قام عليه حلم النهضة العربية، أول مرة.

علينا أن نتذكر أن طموحات النهضة العربية، إنما تأسست في سياق انتباه العرب لنهضة أوروبا، وبخاصة منذ عمل "محمد علي" على تطوير مؤسسات دولته ونظامها، ثم التأسيس للنهضة فكرياً ونظرياً، من خلال إنتاجه "طبقة" من المفكرين والمتعلمين، فكان أبرز المفكرين الذين نظّروا لـ"المشروع النهضوي العربي"، هو رفاعة الطهطاوي، الذي يمكن القول عنه إنه "المفكر المؤسس للمشروع النهضوي العربي".

قامت دعوة الطهطاوي الإنهاضية، كما هو معروف، على فكرة مفادها "التسويغ للاقتباس من بلاد الإفرنج"، على اعتبار أن "الحق أحق بأن يُتبع"، ولذلك فإن أفكاره الأولى انطوت على الدعوة للأخذ بالنظامين الاجتماعي والسياسي الذين شاهدهما في فرنسا، أثناء مكوثه فيها لأغراض تعليمية، وفق قاعدتي:

-       الحرية الفردية في النظام الاجتماعي: بل إن الطهطاوي كان أول من استعمل مصطلح "الحرية الشخصية" في الثقافة العربية، حين قال في كتابه إن الشريعة (أي القانون) ضمنت لكل فرنسي "التمتع بحريته الشخصية"، بحسب ما يشرح الدكتور أحمد ماضي في كتابه "نماذج من العلمانية في الفكر العربي الحديث والمعاصر".

-       "المواطنة" في النظام السياسي، أي بناء الدولة على أساس مشروع وطني جماعي، يساهم فيه الجميع على أساس المساواة في الحقوق والواجبات.

هذا الأخذ عن فرنسا، مما رآه الطهطاوي وسيلة لإصلاح المجتمع ونهوض الدولة، يؤشر على أمرين اثنين: أولهما أن مفكري التنوير الفرنسيين كان لهم الأثر الأكبر على المشروع النهضوي العربي في مرحلة التأسيس (المتمثلة بالطهطاوي)، وثانيهما أن المشروع النهضوي العربي في تلك المرحلة التأسيسية، لم يكن ينظر لأوروبا باعتبارها مصدر خطر يجب الحذر منه، بل باعتبارها "قدوة" في النهضة، ونموذجاً يجدر اتباعه.

هكذا إذن، نشأ المشروع النهضوي العربي برغماتياً، يبحث عن الحقيقة أياً كان مصدرها، ولا يتوانى عن الإشادة بنجاحات الآخرين، والدعوة للاستفادة منها. هذا النهج لم يقتصر على أفكار الطهطاوي، بل شمل أيضاً التطبيقات التي كان ينفذها محمد علي وهو ينقل عن أوروبا هيكليتها المؤسسية، ضمن مساعيه لبناء دولة ناهضة. وهذا معناه أن "البرغماتية" هي المبدأ الأول الذي قامت عليه دعوة النهضة العربية الأولى، وهو –في الحقيقة- المبدأ الذي قامت عليه كل دعوة إنهاضية ناجحة في العالم المعاصر.

على أن ما يجب ملاحظته والتأكيد عليه، أن تلك البرغماتية التي قام عليها المشروع النهضوي العربي، لم تكن من النوع التلفيقي المتردد الذي يحاول الجمع بين الأضداد عنوة، بل كانت برغماتية واعية، أدركت عدم وجود تناقض أساسي بين أنظمة الأوروبيين، وجوهر فلسفة الإسلام وغاياته الإعمارية، فانطلقت منهما معاً من دون سعي توفيقي، كونهما في نظرها متوافقين ابتداءً. إن ما كان يحول بين تلك البرغماتية والوقوع في شرك التردد أو الانتهازية، أنها كانت ترمي لتحقيق هدف ثابت لا يتغير، هو إنجاز النهضة، فكانت برغماتيتها مقيّدة، لها أفقها الذي لا تتجاوزه.

وهذا يعني أن استعادة أحلام النهضة العربية، بغرض استكمالها، ليست ممكنة ابتداءً من دون التسليم بضرورة البرغماتية الواعية، الساعية لبلوغ هدف ثابت يقيّدها، وهذا هو بالضبط مقتل أكثر أفكارنا الإنهاضية المعاصرة: فهي "أيديولوجية" ابتداءً وانتهاءً!.

 



أضف تعليقا