لنتكلّم

المعركة الحضارية الحقيقية، هي: في المجتمع، ومع ثقافته.

الرئيس الصيني أولى بحضور القمة

درجت العادة في القمم العربية التي عقدت خلال السنوات الأخيرة، على دعوة قادة دول إقليمية لحضورها كضيوف شرف، بغرض توثيق علاقات العالم العربي ببلدانهم، والدلالة على تطلعات العرب الودية تجاههم. من هؤلاء، على وجه الخصوص، قادة إيران وتركيا وعدد من الدول الإفريقية.

على أن اختيار هذه الدول بالذات، لدعوة قادتها، إنما يدل على مرامي القمم العربية وأهدافها، المتمثلة بعقد المصالحات والحفاظ على الود، من دون تطوير ذلك باتجاه جعل القمم مناسبات دورية لوضع ومراجعة خطط العمل الجماعية التي تستهدف النهوض بالحالة الحضارية العربية.

لو كان همّ القمم إنهاض الواقع العربي، لكان الأولى دعوة قادة الدول التي نجحت في تجاربها الإنهاضية، من تلك التي تقوم على واقع اجتماعي وثقافي قريب من الحالة العربية، وتحمل تاريخاً معاصراً لا يختلف كثيراً عن تاريخ العرب المتمحور حول الاستعمار والتبعية والأيديولوجيا، ذلك أن حضور قادة هذه الدول، معناه اتجاه العرب للاستفادة من تجاربها ونجاحاتها، والاستماع إلى وجهات نظر قادتها الذين خبروا جيداً التعامل مع الواقع الدولي المعقد، متجاوزين تأثيراته السلبية على خططهم الإنهاضية.

نذكر هنا، على سبيل المثال لا الحصر، تجربة النهوض الصينية المعاصرة، التي باتت بالنسبة للعالم الثالث مثالاً يحتذى، ويبدو العالم العربي هو الأكثر قدرة على الاستفادة من "الدرس الصيني" لو توافر على تخطيط جماعي سليم، يمكن أن تمهد له وتحركه وتراجعه، هذه القمم العربية الدورية التي باتت تعقد سنوياً، ذلك أن لدى العالم العربي كثير من "المشتركات" مع الحالة الصينية، من حيث الموارد الطبيعية والبشرية، والعوامل الجغرافية والتاريخية، فيما أن أهم اختلاف بين الطرفين يكمن في وحدة الصينيين، وتفرّق العرب.

انطوت تجربة النهوض الصينية على مجموعة من المعايير الهامة، التي يمكن للعالم العربي الأخذ بها عبر تخطيط مشترك بين دوله، من دون حاجة للانزلاق إلى أوهام الدعوات الوحدوية. أهم ما ميّز التجربة الصينية، هو السعي للدمج بين أفضل ما لدى الاقتصاد الرأسمالي من قيم، مثل الإقبال على العمل وحرية التفكير وحماية الإبداع ومكافأة المجتهدين، وأفضل ما في الاشتراكية من قيم، مثل العدالة وتكافؤ الفرص والسعي لاستقرار المجتمع والتعاون من أجل المصالح الوطنية العليا.

أما عملياً، فقد عمدت الصين على امتداد السنوات الثلاثين الأخيرة، التي أنجزت فيها نهضتها، إلى الاعتماد على الواقع مقياساً وحيداً لصحة النظرية من عدمها، ومعياراً وحيداً للحقيقة، وهو ما تطلب التطبيق الحذر للنظريات الجديدة، من خلال تجريبها في مناطق محددة أولاً، حتى إذا نجحت تم تعميمها، أما إذا فشلت فتكون آثارها محدودة.

عمدت الصين أيضاً إلى الإبقاء على الدور الاجتماعي للدولة، بخاصة تجاه الشرائح والمناطق الفقيرة، باعتباره واجباً لا يقل أهمية عن واجبها في توفير بيئة مناسبة للإنتاج والربح، واقتضى ذلك الحفاظ على مكانة الدولة كإطار رقابي ومرجعي، مع منح الحرية الاقتصادية والفكرية الكاملة داخل هذا الإطار، وقد استتبع ذلك الدمج بين العام والخاص في أنظمة العمل.

وأهم ما يمكن قوله عن التجربة الصينية، إنها ظلت تتحرك دوماً من خلال "برنامج عمل"، محدد الأهداف وواضح الخطوات، مع تقييم المنجزات والإخفاقات باستمرار، بما يضمن تصرف الشعب كـ"أمة عاملة"، في ظل تكريس قيم الاعتزاز الوطني، والانفتاح على العالم الخارجي، للاستفادة من الخبرات والمنجزات الإنسانية.

أليس منطقياً إذن، الاستماع إلى الرئيس الصيني في قمة عربية تستهدف تغيير الحال العربي من التأخر إلى التقدم؟! إن "هو جينتاو" أولى بحضور القمة من غيره، وأحق بأن يُصغى له إذا تحدّث!.



أضف تعليقا

meemo87 من الأردن
05 ابريل, 2009 08:51 ص
أتفق معك تماماً أخي سامر، وأعتقد أن استفادتنا من التجارب التي أثبتت نجاحها ووقوفها في وجه صعوبات التطور والتنمية هو ما ينقصنا، ولك أن تذكر الأمثلة الكثيرة للحكومات التي بقوة الإرادة ووقوفها إلى جانب شعبها استطاعت أن تنهض وتستقر وتتطور, كتركيا والصين وغيرهما
شكرا على المقالة