فقد أحد الأصدقاء فرصته بدراسة الصيدلة، لأنه تساوى في علامته مع زميلة له، فكانت الأولوية في الحصول على المقعد الدراسي للمرأة، بدعوى تعظيم فرصها في الحياة. هل يُعقل يا تُرى أن يتم إنصاف المرأة من خلال ظلم الرجل؟!
الحقيقة أن الإنصاف في مثل هذه الحالات، المسماة تمييزاً إيجابياً، لا يطال أياً منهما، فما تحصل عليه المرأة من "تكريم" لا يتجاوز أن يكون "تكريماً" شكلياً لا فعلياً، لأنه: 1- لا يشمل كل النساء، بل تستفيد منه بعضهن وحسب، 2- يكرّس فكرة الاختلاف في الحقوق والواجبات العامة بين الرجل والمرأة، فيقدّم أحدهما على الآخر، ولا يعاملهما على قدم المساواة كأفراد في مجتمع واحد.
التمييز الإيجابي، إذن، ليس إلا كذبة كبيرة، بكافة مفرداته، بما فيه فكرة الكوتا. إنه تمييز إيجابي ينعكس سلبياً على قضية المرأة، التي تتمحور حول تجاوز الذكورية لصالح أنسنة المجتمع، أي الوصول إلى حالة من التكافؤ بين أفراده بغض النظر عن عامل الجنس، فهذا التمييز يُكرّس ما يُفترض تجاوزه، ويُذكّر بما يجب تناسيه، أي على عكس المطلوب تماماً!
كناشط في مجال حقوق الإنسان والحريات العامة، فإنني أتفهم قضية المرأة في المجتمعات العربية تماماً، وأتبناها. ومن هذه الزاوية فإنني أرفض استغلال هذه القضية من قبل الذين يجيدون العزف على كل الأوتار لتحقيق مآربهم ومصالحهم، سواء من الرجال أو من النساء. وقد أجاد كثيرون وكثيرات تحقيق غاياتهم باستخدام قضية المرأة، وصارت المرأة "ديكوراً" يُشار له بالبنان في أكثر من موضع، فيما إحراز التكافؤ لا يتقدم عملياً.
هنا، يجب التنبيه إلى أن قضية المرأة ليست معركة مع الرجل، بل هي معركة مع ثقافة مجتمع يبني سلوكه على قاعدة القوة لا على قاعدة العدل. إنها المعركة الثقافية ذاتها مع الفساد البنيوي بكافة تجلياته، الناتج عن قاعدة القوة تلك. فالذكورية واحدة من تجليات "حكم القوي على الضعيف"، تماماً كما هي الواسطة والمحسوبية، فهي "حكم القوي"، وتماماً كما هي الرشوة، لأنها تحقيق لغايات من خلال قوة المال، إنها "حكم القوي" أيضاً، الذي تطول قائمة تجلياته ولا تنتهي!.
على هذا، فإن قضية المرأة الحقيقية هي بلوغ العدل في المجتمع. ومن هذه النقطة علينا تحديد مواقفنا تجاه مختلف المسائل والإشكاليات التي تتعرض لها المرأة في مجتمعاتنا. فمثلاً: حرمان المرأة من الميراث مرفوض، لأنه ينزع عنها حقاً طبيعياً، سواء فعله رجل أو فعلته امرأة (كالأم)، فهو إذن يُهدر قيمة العدل، ويُحدث ظلماً. كذلك، جرائم الشرف مرفوضة لأنها تحصر فكرة الخطيئة بالمرأة دون الرجل، وفي ذلك ظلم لها، وإنقاص لقيمة العدل في المجتمع.
هكذا، فإننا لا نواجه في جوهر الأمر قضايا متعددة في مجتمعنا، موزعة على القطاعات الاجتماعية بحسب العمر والجنس والعرق، بل نواجه "قضية مركزية!" رئيسية، أساسها غلبة الظلم على العدل.
العدل والظلم في المجتمعات المتحضرة، ليسا متروكين لنُبل أخلاق الناس وحُسن تعاطيهم مع بعضهم، بل يجري تهذيبهما من خلال تطبيق القانون، وقبل ذلك من خلال نشر ثقافة احترام القانون بين الناس، وإذا كان في غياب القانون ما يشيع الظلم ويُنقص من العدل، فما القول حين يكون القانون نفسه ظالماً، كما هو الحال في نصوص قانون العقوبات المتعلقة بـ"جرائم الشرف"؟!
من هذه المنطلقات فإن يوم المرأة العالمي يكون بلا معنى ما لم يتركز الاحتفال به على فكرة حق المرأة في العدل، حينئذ يكون هذا اليوم للمرأة والرجل معاً، لأن العدل يساوي بين الطرفين، فيما الظلم يمس أحدهما فقط.












27 مارس, 2009 07:36 م