لنتكلّم

المعركة الحضارية الحقيقية، هي: في المجتمع، ومع ثقافته.

السودان والمنظمات "الدولية"

المنظمات "الدولية!" التي قررت الحكومة السودانية طردها من أراضيها، تذرّعت لتبرير رفضها للقرار، بأن أكثر من مليوني شخص في دارفور، باتوا يواجهون خطر الموت من الجوع والمرض، وبأن الحكومة السودانية قامت بعد الطرد بالاستيلاء على موجودات بعض المنظمات، من المساعدات الغذائية والطبية.

بهذا، فإن تلك المنظمات تواصل مساعيها لشيطنة النظام السوداني، وتصويره على أنه عصابة متوحشة، لا تأخذ باعتبارها حياة الأطفال والضعفاء، وهو وصف ندرك نحن العرب أنه لا ينطبق على السودانيين، ولا على نظامهم.

الحكومةالسودانية كانت قررت طرد نحو عشر منظمات أجنبية، أهمها "أطباء بلا حدود"، "كير"، "أوكسفام"، "أنقذوا الطفولة"، و"أطباء بلا حدود"، وهو تصرف يدفع للاستنتاج أن الحكومة السودانية تعتقد بوجود تعاون خفي بين تلك المنظمات، التي تدّعي حماية الإنسان وحقوقه، ووكالات استخبارية أميركية وأوروبية، عملت بجدّ لتوجيه تهم الضلوع في جرائم حرب للرئيس السوداني، ومن ذلك قيامها بنقل معلومات وتقارير غير صحيحة حول ما جرى في درافور، بما يتجاوز مجرد الانحياز ضد السلطة السياسية في السودان، واتهامها بممارسة القمع.

سواء كانت رؤية الحكومة السودانية لدور تلك المنظمات الاستخباري، صحيحة أم لا، فلا شك أن هذه المنظمات لعبت دوراً كبيراً في وضع النظام السوداني تحت دائرة الشك، لذا، فإنه إذا لم يكن سبب ما فعلته هو ممارستها أدواراً استخبارية تحت غطاء العمل الإنساني الدولي، فسيكون السبب هو انطلاقها من المفاهيم والتصورات الغربية لما يجوز وما لا يجوز، ثم فرض تلك المفاهيم والتصورات باعتبارها "عالمية" و"إنسانية"، لا غربية فقط.

هذا الأمر معروف ولا يحتاج شرحاً، ويكفي للدلالة عليه أن العرب الذين يتجهون للتعاطي مع المنظمات الأجنبية المسماة "دولية"، يهيئون أنفسهم للانضباط في إطار المفاهيم والتصورات الغربية، معتقدين أنهم بذلك يتحدثون "اللغة التي يفهمها العالم". بل إن هذه العبارة الأخيرة، نسمعها من الأنظمة السياسية العربية التي تبرر مهادنة المواقف والتصرفات الإسرائيلية، قائلة إن في ذلك خدمة للموقف العربي والفلسطيني، لأن العالم لا يفهم غير هذه اللغة.

هكذا، فإننا في "لا وعينا" نعتقد أن العالم هو الغرب، وأن لغة العالم هي تصورات الغرب ومفاهيمه، ونعتقد من ثم أن علينا الرضوخ لتلك التصورات، والتعاطي معها على أنها الحقيقة.

من هنا، فإن ما فعلته الحكومة السودانية يستحق الثناء. إنه تعبير عن رفض التساوق مع التصورات الغربية للعالم، ذلك أنها تصورات قاصرة، على افتراض براءتها من المصالح، إذ لا تأخذ باعتبارها آراء أطراف الصراعات على قدم المساواة، لتحكم بينها بالعدل.

أليس هذا هو بالضبط ما يحصل في فلسطين؟ فالمنظمات "الدولية" تساوي في حكمها على الأحداث بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بمن فيهم المستوطنين. لا نعترض هنا على مساواتها بين الضحية والجلاد وحسب، بل قبل ذلك على تبنيها حقوقاً مزعومة للمستوطنين، متناسية أن وجودهم نفسه فيه انتهاك لحق الفلسطينيين في أرضهم، هذا إذا تجاوزنا انطلاقها في تحليل الصراع من اللحظة الراهنة، متناسية أبعاده التاريخية التي من أبسطها قيام إسرائيل على حساب تشريد شعب بأكمله، واحتلال أرضه بدعم غربي، ومن أجل مصالح غربية.

إنها التصورات الغربية للعالم، وليست التصورات "الدولية" التي يُفترض أن تكون محايدة. الأمر لا ينطبق على عالمنا العربي وحسب، بل يطاول كل منطقة جغرافية خارج نطاق "الغرب". إنه ينطبق على أميركا اللاتينية، والشرق الأقصى، وأفريقيا، وكل دولة لا يعتبرها الغرب "ديمقراطية"، فليس تعاطي المنظمات "الدولية!" مع زيمبابوي، والصين، وروسيا، وفنزويلا، إلا أمثلة.

لذلك، فليكن السودان نقطة البداية!

 



أضف تعليقا