لم يساهم الاستعمار الغربي في إعاقة جهود التحديث والنهضة في العالم العربي وحسب، بل إنه منذ ساعة خروجه بشكله العسكري المباشر، ظل يعمل على إدامة أسباب التأخر والتعطّل الحضاري في العالم العربي، سواء عبر آلياته المباشرة، أو عبر دعم أسباب التخلف الداخلية، وإدامتها، ومن ذلك دعمه غير المعلن للاستبداد، وتكريسه عوامل الخلاف بين الدول العربية وسعيه لاستثمارها ولو وصل الأمر إلى اندلاع الحروب، كذلك انحيازه ضد القضايا العربية ودعمه المشروع الصهيوني الذي هو، بالضرورة، أحد العوامل المؤثرة سلبياً على خطط النهوض العربية، إن وجدت.
أليس من الطبيعي أن يتذكر الإنسان العربي هذه الحقائق التاريخية، ويسقطها على قضية إصدار مذكرة توقيف بحق الرئيس السوداني عمر البشير، حين يستمع للإعلام الغربي وهو يسرد سيرة ذاتية مقتضبة للرجل، يركّز فيها كثيراً على أنه "حارب إسرائيل" في تشرين/ أكتوبر 1973، وكأن مشاركته في تلك الحرب مدعاة إضافية لـ"شيطنته" في نظر الشعوب الغربية؟
لا نناقش هنا ما إذا كان البشير مذنباً أم لا، بل نناقش ما إذا كان إصدار مذكرة التوقيف بحقه أمراً بريئاً يُقصد به وجه العدالة، أم أمراً غير بريء، له أهداف سياسية، تحرّكها المصالح الغربية المتضررة فيما يبدو من نجاح عملية السلام بين شمال السودان وجنوبه، والساعية من ثم لإدامة التوتر في هذا البلد المنكوب، بخاصة بعد أن شاهد العالم قبل أسابيع قليلة، بأمّ عينيه، جريمة واضحة ضد الإنسانية في غزة، لم تستدع ملاحقة قضائية "دولية!" بعد، ولا يبدو أنها ستستدعيها طالما كان المتهم إسرائيلياً.
ليس ثمة مصداقية لأية جهة تدعي أنها "دولية"، ما دامت العدالة في العالم منقوصة. مرة أخرى: لا نبرئ البشير ولا ندينه، لكننا لا نستطيع الفصل بين ما يجري، ومصالح الغرب في السودان، التي يبدو أن وجود نظام عمر البشير يعرقلها.
ثم أننا لا نستطيع الفصل بين مذكرة التوقيف، وانفتاح السودان على الصين، وتسهيله قيامها باستخراج نفط دارفور والحصول عليه، مقابل منح وقروض ومساعدات هائلة يحصل عليها، ما يساعد الصين في حلّ مشكلتها المزمنة مع مصادر الطاقة المتآكلة لديها، ويكفل لها استمرار نموّها الصناعي والإنتاجي، على حساب الإنتاج الغربي عالي التكلفة. وقد كان السودان في العام 2008 الدولة الخامسة في العالم من حيث كميات النفط المصدّرة إلى الصين، برغم أنها ليست دولة نفطية مهمة. وما تجدر ملاحظته في هذا السياق، أنه بفضل الاسكتشافات الصينية، ارتفعت كمية الاحتياطي النفطي المعروفة لدى السودان من 0.81 مليار برميل في نهاية العام 2002، إلى 5 مليارات برميل في نهاية العام 2007، بحسب أرقام "التقرير الاقتصادي العربي الموحد" للعام 2008، الصادر عن صندوق النقد العربي. ورغم أن هذه الكمية ليست كبيرة قياساً بالدول العربية النفطية، إذ لا تمثل إلا نحو خمسة بالمائة من احتياطي دولة صغيرة المساحة مثل الكويت، إلا أنها بالضرورة كمية مهمة وإلا ما جرى العمل لاسكتشافها.
هذا السلوك "الإمبريالي" الغربي ليس مستغرباً على أية حال، ففيه حفظ للمصالح الغربية الكثيرة في العالم العربي، لكن ما يجب تذكّره من جديد، والبناء عليه، أن "الغرب" يمانع في استقلال المناطق التي يمارس عليها إمبرياليته، استقلالاً تاماً وحقيقياً، يمنع عنه استغلال مواردها وإمكانياتها، لذلك فهو يسعى لـ"تأديب" معارضيه في تلك المناطق، سواء حملوا مشروعاً وطنياً داخلياً نهضوياً، أم كانوا مستبدين فاسدين. في المقابل، فإن ثمة فرصة تاريخية للتحالف مع "الشرق"، بما يسهم في تطوير الموارد والإمكانيات العربية، من دون الولوج في القضايا السياسية بالضرورة، ولا طلب الدعم السياسي، على طريقة ما كان يحلم به العرب من الاتحاد السوفييتي.
ما يجدر استنتاجه في قضية مذكرة توقيف البشير، أنه إذا كان ثمة صراع بين الغرب والشرق هذه المرة، ولو في مجال الاقتصادي، فإنه صراع يهمنا، ولنا فيه ناقة وجمل، ذلك أننا سنشارك في دفع ثمنه، شئنا أم أبينا.









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية