عاد نتانياهو. وبهذه المناسبة غير السعيدة، راح العرب يعدّون العدّة لاستكمال حربهم البيزنطية الداخلية حول كيفية التعاطي مع هذا الواقع الجديد- القديم- المستمر في الصراع العربي الإسرائيلي، تلك الحرب التي يتوزع فيها "العُربان" إلى فريقين: واحد يريد المواجهة الحربية ويتهم دعاة التفاوض بالاستسلام والخيانة، وآخر يريد التفاوض والحلول السلمية، ويتهم دعاة المقاومة والحرب بالعدمية والمراهقة.
في هذه الحرب التي تُدار على طريقة حوار الطرشان، ثمة ما يتفق عليه الطرفان: فكل واحد منهما يتهم الآخر بانعدام البصيرة، وعدم إدراك المصالح العليا للأمة، فيما ينعت نفسه بأفضل صفات الذكاء وحُسن التفكير وسعة الأفق، ما يعني افتراضه أن مؤيديه هم أصحاب العقل والمنطق، وأن مخالفيه غوغائيون، مدفوعون بعواطفهم، ويتخذون مواقفهم من دون تفكير.
تتكرر كلمة "غوغائيون" دون غيرها، كثيراً عند نقد وجهات النظر المخالفة في العالم العربي، ويبرر مطلقو تهمة "الغوغائية" سلوكهم هذا بالدفاع عن مصالح الأمة في وجه الذين لا يدركون أبعادها، ولا يتوافرون من ثم على مؤهلات تمكّنهم من المشاركة في تحقيقها.
ينطوي المشهد على بُعد مسرحي هزلي: ففي إسرائيل، حيث للتنافس البرامجي بين الفرقاء السياسيين معنى ونتيجة، كونه يقود إلى تشكيل الحكومات ورسم مسيرة الدولة، لا نسمع أحداً يصف الآخر بالغوغائية، بين التيارات السياسية الرئيسية، بل إن نتانياهو دعا خصومه في "كاديما" و"العمل"، حال تكليفه تشكيل الحكومة، للانضمام إلى حكومته كي يواجهوا "الأخطار" معاً، قائلاً لهما بعد أن حدد إيران وحزب الله باعتبارهما أكبر المخاطر التي تتهدد إسرائيل: "لدينا أساليب مختلفة، لكننا نريد العمل سوياً لما فيه خير الدولة. يمكننا إيجادطريق مشترك لإيصال إسرائيل إلى بر الأمان والازدهار والسلام". صحيح أن في هذا التصريح مناورة سياسية، إذ يهتم نتانياهو بالدرجة الأولى بتشكيل ائتلاف حكومي واسع يقيه تحكّم أحزاب اليمين المتشدد به، على الطريقة التي خبرها إبان حكومته الأولى بين عامي 1996 و1999، لكن ذلك لا ينفي أنه يعترف بحق مخالفيه السياسيين في التفكير والتخطيط، ولا يجد في الخلاف سبباً يمنع تكامل الأدوار السياسية.
أما في العالم العربي، حيث الحاجة ملحّة لتضافر كل الجهود من أجل النجاح في مواجهة هذا العدو الهمجي، وتحصيل الحقوق العربية المشروعة في الصراع الطويل معه، بخاصة أن الخلافات السياسية على "البرامج" لا معنى لها ولا قيمة، إذ لا انتخابات تشكل حكومات، ولا استفتاءات نزيهة تحدد مسيرة البلاد، فإننا نجد تسابقاً على تعطيل نصف طاقات الأمة، والاستغناء عن مساهماتهم ومشاركاتهم، وحرمانهم من حقهم في التفكير وإبداء الرأي، عبر توجيه تهمة جاهزة لكل صاحب رأي مخالف، مفادها أنه "غوغائي"، لا يفهم!
وفي المحصلة، فإن كل الطاقات العربية تتعطل، لا نصفها فقط، إذ ليس ثمة برنامج عمل تتفق عليه الأمة وتتقاسم الأدوار تجاهه، على طريقة ما يجري في إسرائيل، طوعاًَ أو كُرهاً، حيث تكون كل الطاقات فاعلة ومثمرة.
لا نقول هذا الكلام من باب مديح إسرائيل، وإنما للتذكير بأحد أسباب قدرتها على التجدد ومواصلة التفوق، وأحد أسباب ما تعانيه مسيرتنا الحضارية من تعطّل وإعاقة.
على هذا، فإن الغوغائيين العرب ليسوا أحد طرفي الخلاف، بل هم كل من يساهم في تحويل ذلك الاختلاف في وجهات النظر، من أمر صحي يوفر للأمة خيارات متعددة حيال قضاياها، إلى سبب لمنع تكاتف الجهود العربية، يُحتج به لمصادرة حق الآخرين في التفكير والتعبير، وترهيبهم بأقذع التهم التي تمس شخوصهم وأمانتهم وعدلهم. إن الغوغائي هو من يتهم الآخرين بالغوغائية، لمجرد أنهم يفكرون بطريقة غير طريقته.









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية