لنتكلّم

المعركة الحضارية الحقيقية، هي: في المجتمع، ومع ثقافته.

الجزيرة القطرية

ما أصعب الحياة من دون قناة الجزيرة. لذلك، على المشاهدين الكرام أن يُفوّتوا بعض الأمور، مثل:

1- فضيلة الشيخ القرضاوي، ومؤسسته المسماة "الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين"، هما المرجعية الدينية المعتمدة لدى المسلمين السُنّة، في أمور الآخرة والدنيا، بما في ذلك قضاياهم السياسية، وعلاقاتهم مع أمم وشعوب ودول العالم. في هذا السياق، على سبيل المثال لا الحصر، يكون على المسلمين أن يقرنوا بين شغفهم بمتابعة "الجزيرة"، والاستجابة لدعوة الاتحاد "العالمي" للصيام خلال الأسبوع القادم، عسى أن يفتح الله على المؤمنين معبر رفح! وهذا يعني ضمنيّاً أن فتح معبر رفح من عدمه، هو اليوم القضية الأساسية، وليس فكّ الحصار عن قطاع غزة، أيّاً كانت الوسيلة. نحن نحب قناة الجزيرة، لكننا نتساءل: ألا يعني هذا أن في المسألة شيء من المناكفة مع مصر، لحساب دولة قطر، تُخالف صورة "الموضوعية والحياد" التي تروجها القناة لنفسها؟!

2-  النشاطات المدرسية في قطر، لها أهمية استثنائية، بحيث تستحق أن تُعدّ عنها تقارير ميدانية، وتُجرى حولها مقابلات مع الطلبة، الذين ربما يكونون أبناء مسؤولين في الدولة. هي استثنائية بكل ما في الكلمة من معنى، ففيها يتحدث الطلبة بغضب عن المجازر التي تقع ضد إخوانهم في فلسطين، ويتبرعون بمصروفهم اليومي لنصرتهم، وقد يرسمون لوحات ملونة في حصة الفن تعكس حزناً بالغاً، وهي أمور لا تحدث عادة في مدارس العالم العربي الأخرى. نحن نحب قناة الجزيرة، لكننا نتساءل: ألا يعني هذا أن القناة تكيل الأحداث بمكيالين، فتُعطي لما يجري في قطر وزناً أكبر مما تعطيه لأحداث مكافئة في الدول الأخرى؟

3- دولة قطر، هي الموئل العربي لحركات مقاومة الاحتلال، وهي المدافع عن قضايا الأمة في وجه محاولات التفريط، دليل ذلك مبادراتها الدبلوماسية التي لا تنتهي، ودعمها المالي الذي لا ينقطع، واندفاعها لأداء دور الوسيط عند كل أزمة يكون العرب طرفاً فيها. طبعاً، دع عنك قاعدة السيلية، والعلاقات القطرية الإسرائيلية، فهذه إنما وجدت لتمكين قطر من ممارسة أدوار داعمة للقضايا العربية، ولا يجوز –من ثم- تناولها في الأخبار. نحن نحب قناة الجزيرة، لكننا نتساءل: ألا يجعل هذا من القناة تلفزيوناً محلياً، يزيّن الخراب، ويقدّم الرأي دون "الرأي الآخر"؟!

قد تبدو مثل هذه التساؤلات في غير محلها، إذ أن قطر حرّة في كيفية توظيف القناة التي تنفق عليها أموالاً طائلة تفوق الخيال، وليس معقولاً مطالبتها بأن يكون إنفاقها مجانياً ومن دون مقابل. القناة قدّمت الكثير في مجال تغيير نمطية الإعلام العربي، ولولاها ما سُلّطت الأضواء على كثير من القضايا، ولما تعرّفنا على كثير من الحقائق، فهل نستكثر عليها تمرير هذه الأفكار الصغيرة، مقابل تمتّعنا بتلك المعلومات الكثيرة؟

بالطبع لا، لكن العتب يكون على قدر المحبة، وتلك المحبة جعلتنا نتصوّر أن الجزيرة محطة عربية، تتجاوز كل حدود وتكشف كل مستور، متناسين –من فرط محبتنا- أن الجزيرة، القطرية، ليست إلا أفضل الموجود وأحسن المُتاح.
نحن نحب قناة الجزيرة، لأن لا بديل لها. تعيش الجزيرة!


أضف تعليقا

توفيق من الجزائر
17 فبراير, 2009 11:22 ص
صح .و فوق ذلك فالحرية الإعلامية التي يتطلع إليها الناس هي غير موجودة حتى لدى وسائل الإعلام الكبيرة في أكثر الدول تحررا و ديمقراطية..و حسب ما يبدو هذه الحرية هي ضد طبيعة البشر من الأساس.
تحياتي.