المصداقية، هي أهم ما افتقدته القيادة الفلسطينية بعد عرفات، في السلطة والمنظمة، ولذلك فإن نجاح حماس في إنتاج قيادة بديلة تلتف حولها غالبية الفلسطينيين، من عدمه، يظل رهناً بمدى قدرتها على تحقيق تلك المصداقية (أو الصدقية كما باتت تُسمى بعد إخضاعها لتصحيح لغوي!).
لكن المصداقية لا تعني فقط توافق القول من العمل، والشعار مع التطبيق، بل تعني أيضاً القدرة على تنفيذ برنامج وطني يجلب مزيداً من المكتسبات للشعب الفلسطيني الرازح تحت الاحتلال الصهيوني منذ ستين سنة، على طريق تحقيق كامل الطموحات، حتى لو تمثلت باستعادة ما بين النهر والبحر، بحسب أطروحات حركة حماس وشعاراتها.
على هذا فإن "التكتيكات" السياسية التي يمكن أن تتبعها حماس في المرحلة المقبلة، بعد أربع سنوات عجاف من رحيل عرفات، لا بد أن تتضمن تنازلات عن الشعارات التي ما تزال الحركة تحتفظ بها منذ الانتفاضة الأولى، أي منذ مرحلة ما قبل السلطة، وأهمها عدم الاعتراف بإسرائيل، وعدم التفاوض معها، ذلك أن مطلب إزالة إسرائيل لا يبدو متاحاً في المدى المنظور، برغم أنه مطلب عادل ووجيه ومشروع من الوجهة التاريخية والإنسانية والمنطقية، ما يعني أن ثمة ضرورة للتعاطي مع إسرائيل بشكل أو بآخر، بخاصة في ظل "الثوابت" الدولية القائمة، والحسابات الإقليمية المستجدة، كي يكون ممكناً تنفيذ مثل ذلك البرنامج الوطني.
سؤال المصداقية لا يتعلق بالإقدام على التنازلات من عدمه، بل بالكيفية التي تجري فيها تلك التنازلات، والمقابل الذي يمكن تحصيله إزاءها. واسترشاداً بالتجربة الفلسطينية السابقة التي قادتها حركة فتح، وانطوت على تقديم تنازلات كتلك، يمكن القول إن التنازلات السياسية المطروحة أمام الفلسطينيين، يمكن أن تكون على ثلاثة أنواع: تنازلات من دون مقابل، وتنازلات من أجل مصالح فصائلية أو مكتسبات شخصية، وتنازلات ذات أفق وطني، وقد تضمنت تجربة فتح وفصائل المنظمة الأخرى جميع تلك الأنواع، بين خطاب ياسر عرفات في الأمم المتحدة العام 1974، ومفاوضات كامب ديفيد الثانية في العام 2000.
وهكذا، حقق الفلسطينيون مكاسب وطنية هامة مقابل التنازلات التي قدمتها منظمة التحرير خلال تلك السنوات، ليس أقلها إقامة السلطة الفلسطينية التي كان يُفترض أن تقود إلى إقامة دولة فلسطينية ما، على رقعة جغرافية ما، وبمواصفات أمنية ما. لقد كان ذلك طبيعياً بالنظر إلى المصداقية التي تمتعت بها القيادة الفلسطينية التاريخية، فضلاً عن الشرعية طبعاً، فكانت تلك المصداقية توفر ضمانة لتوظيف التنازلات الكبرى في أفق وطني.
بعد معركة غزة، وبغض النظر عن تقييم نتائجها، تقف حركة حماس اليوم على مفترق طرق في الطريق إلى المستقبل: مستقبلها كحركة قائدة، ومستقبل الطموح الوطني للفلسطينيين. فبالنظر إلى المصداقية التي باتت الحركة مرشحة لحيازتها، فإنها يمكن أن تعيد سيناريو تقديم شيء من التنازلات السياسية، من دون أن تجرح جماهيريتها أو تخدش رؤيتها وبرنامجها الوطنيين، إذا ما جرى ذلك في إطار يتّصف بالتماسك والالتزام، مستفيدة من التجربة السابقة التي مثلتها منظمة التحرير "بشكلها الراهن!".
حماس ستتغير. ذلك أن الحركة التي لا تملك إمكانات إزالة إسرائيل من الوجود، مضطرة اليوم لمغادرة العدمية السياسية، والانخراط في تسوية ما مع إسرائيل. في هذ المجال فإن حماس لن تُلاقى باعتراضات جماهيرية ذات قيمة، إذا ما أثبتت مصداقيتها، وحافظت على الصورة "الجهادية" التي تظهر بها، من خلال إدارة واستكمال برنامج سياسي غير عدمي، ومثمر، يرتكز على تسييج التنازلات في إطار "الأفق الوطني"، وعدم الوقوع في فخ الفساد والبحث عن المصالح الفردية، وإلا فإن التاريخ الفلسطيني في مجال التنازلات السياسية سيعيد نفسه.










15 فبراير, 2009 01:21 م