إذا كان خالد مشعل، زعيم حماس المفوّه الذي يقدم نفسه زعيماً بديلاً للشعب الفلسطيني، جاداً في طرحه حول السعي لتشكيل قيادة فلسطينية تحل محل منظمة التحرير، فإن حماس تكون –فعلاً- قد اختارت استراتيجية جديدة سوى تلك التي تأسست في إطارها مع انطلاق الانتفاضة الأولى في العام 1987، كحركة تحرر وطني تنتهج المقاومة الشعبية ضد الاحتلال.
استراتيجية حماس الجديدة، التي دارت حولها الشكوك منذ سيطرة الحركة على قطاع غزة بالقوة في منتصف العام 2007، مفادها السعي أولاً لـ"تحرير" القضية الفلسطينية من أبوية حركة فتح، ومن ثم الانطلاق في آفاق جديدة تسعى لتحرير الأرض وإقامة الدولة المستقلة. أما السبب فهو أن تلك الأبوية، في نظر حماس، باتت معيقة لطموحات الشعب الفلسطيني التحررية، بعد أن ثبت فشل خيار فتح الوحيد لحل القضية، المتمثل بالتسوية السياسية، ولم يعد ثمة جدوى من مواصلتها قيادة وتوجيه حركة التحرر الوطني الفلسطيني التي تتخذ من منظمة التحرير إطاراً لها.
النزاع على الشرعية بين فتح وحماس، قد يُنظر إليه على أنه أمر معيب لأنه يتعلق بشعب رازح تحت احتلال دولة عندها من القوة والدعم العالمي ما عندها، بشكل لا يجوز معه الافتراق والاختلاف والتنافس. كذلك قد يُنظر لهذا النزاع على أنه حرب في ساحة خلفية بين قوى إقليمية تتوزع على محوري "الاعتدال" و"الممانعة"، ما يعني أن القضية الفلسطينية لا ناقة لها ولا جمل، وأن النزاع من ثم لا يخدمها ولا يحقق أهدافها. أيضاً قد يُعتبر هذا النزاع انعكاساً لخلاف مصالح ومكاسب بين قادة الفصائل، وليس خلافاً على الرؤى والمصلحة الوطنية العليا كما يقولون، وهذا يعني أن فلسطين ليست بالبال، وأنها باتت وسيلة لا غاية!
رغم وجاهة مثل تلك "النظرات" التي تضيق بنزاع فتح وحماس، وتعدّه نقيضاً لـ"الوحدة الوطنية"، فإن من الممكن أن يُنظر إليه في المقابل باعتباره خلافاً حقيقياً على ماهية برنامج العمل الذي يُراد اعتماده طريقاً لتحقيق أهداف التحرير وإقامة الدولة وتنفيذ حق العودة، وفي هذه الحالة يكون النزاع مبرراً، لأنه بالنسبة لكل واحد من الطرفين ضمانة لاتباع الطريق الذي يراه صحيحاً، ويفترض أن يقود الشعب الفلسطيني من خلاله لتحقيق طموحات الحرية والتحرير.
في حالة كهذه، وهي الحالة القائمة على الأغلب، فإن سعي خالد مشعل لإقامة "منظمة تحرير بديلة" لا يكون خروجاً على "البرنامج الوطني"، ولا ينطوي على إساءة لتاريخ الكفاح الوطني الفلسطيني، بل يكون بالنسبة لحماس تصحيحاً لمسار ذلك التاريخ، وعودة به إلى طريق التحرير، بعد أن لم يعد ممكناً إقناع فتح بأن "الكفاح الوطني" ليس مشروطاً بوجودها في القيادة إلى الأبد.
في الجهة الثانية، لا تكون دعوة فتح للتمسك بمنظمة التحرير، باعتبارها "ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني"، دفاعاً عن القضية الفلسطينية بالضرورة، بل قد تكون دفاعاً عن ذاتها، كونها هي التي تمسك زمام ذلك الممثل الوحيد، لتظل هي "القائد الشرعي والوحيد".
ليس معنى هذا الدفاع عن حماس، أو مباركة خطوة مشعل، فقد تكون في تصريحات مشعل مراهقة فصائلية، تدفع حماس لمناكفة أبوية فتح والسعي للحلول محلها. إنها مجرد محاولة للفهم، خارج المحفوظات والاصطفافات والمواقف المسبقة، أخذاً بالاعتبار ما يُقال حول أنانية حماس، أي قبولها التضحية بآلاف من أهالي القطاع بين قتلى وجرحى، ووقوع الدمار في البنى التحتية والإنشائية، أثناء سعيها لتحصيل اعتراف بكيانها في غزة، والتسليم بوجودها كقوة على الأرض تمثل الفلسطينيين ومشروعهم الوطني، فقد تكون تلك الأنانية ذات مقاصد وطنية ودوافع نبيلة: أليس هذا ممكناً؟!









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية