استعادت القضية الفلسطينية تعاطفاً عالمياً مفقوداً عقب العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وكان من مظاهر ذلك، مثلاً، تلك المظاهرات الشعبية الضخمة التي شهدتها غير مدينة في أوروبا.
لكن علينا أن نلاحظ، أن ذلك التعاطف أخذ طابعاً إنسانياً، لا سياسياً، فردّة الفعل العالمية كانت مأخوذة بحجم القتل والتدمير الذي أحدثته إسرائيل، بل و"نوعيته" حين طال الأطفال والمدارس ومستودعات الأغذية، فيما لم تنل الأبعاد السياسية للمسألة، ومنها ضرورة معاقبة "الدولة الإسرائيلية"، اهتماماً مكافئاً، باستثناءات قليلة، كمواقف فنزويلا وبوليفيا، وهكذا فقد صدق القول القائل إن العالم تعاطى مع الحرب على غزة وكأنها كارثة طبيعية، لا عدوان عسكري منظم، ذو أبعاد سياسية.
لم يتوقف الأمر عند التعاطي الشعبي، بل امتد إلى المواقف الرسمية لدول كبرى يُفترض أنها أكثر قرباً للقضايا العربية من نظيرتها الغربية. نذكر على سبيل المثال لا الحصر هنا، الصين، التي لم تفعل سوى التعبير عن أمنياتها بتوقف الحرب، ثم صوتت لصالح القرار 1860 في مجلس الأمن، فيما لم تتدخل سياسياً عبر تقديم مبادرة لإنهاء الحرب مثلاً، مثلما فعلت دول أخرى استغلت الفراغ الدولي الناتج عن تبدّل الإدارات في الولايات المتحدة. سلوك الصين هذا، لا يتناسب ومصالحها الكبيرة في المنطقة العربية، وأولها النفط، الذي من أجله تسعى لبناء علاقات سياسية وتجارية واستثمارية قوية مع الدول العربية النفطية، وبخاصة السعودية التي باتت في العام 2008 المزود الأول للصين بالنفط بمعدل 800 ألف برميل يومياً، والإمارات التي تمثل الصين شريكها التجاري الأول، والكويت التي يُتوقع ارتفاع حجم صادراتها النفطية إليها من 150 ألف برميل يومياً في العام 2008، إلى 500 ألف برميل خلال السنوات القادمة، وكذلك مع الدول العربية التي تجري فيها عمليات واسعة لاستكشاف النفط، وبخاصة السودان واليمن، إذ بلغ اهتمام الصين بتلك الدول، حد تقديم منح وقروض لحكوماتها من دون فوائد، وإنشاء بنى تحتية فيها كالموانئ والطرق، ثم شراء حصص في الشركات الأجنبية العاملة على أراضيها، وإقامة استثمارات في مجالات التنقيب والاستخراج.
هذه المصالح الصينية الكبرى، مع دول عربية عديدة، أكثرها دول مؤثرة في القرار العربي، لم تثمر "تعاطفاً" سياسياً مع العرب. فما السبب؟ الأمر طبعاً لا يتوقف عند الصين، بل هو الحال مع مجمل الدول التي لها مصالحها مع العرب، ولذلك ظلت البيئة الدولية التي تُطرح فيها القضايا العربية، غير عادلة على الدوام، بما انعكس سلبياً على فرص العرب في تحصيل حقوقهم.
قد يُحتج بمصالح تلك الدول مع الولايات المتحدة، ومع إسرائيل. تلك حجة وجيهة، لكنها غير كافية. الصين مثلاً، ترتبط بعلاقات تجارية واسعة مع أميركا، بحيث أن نمو الاقتصاد الصيني يعتمد اعتماداً كبيراً على الصادرات إلى السوق الأميركية. كذلك الحال مع إسرائيل، فثمة علاقات عسكرية وثيقة بين الطرفين، استثمرتها الصين لتطوير قدراتها الحربية، عبر الحصول على التكنولوجيا الغربية المتوافرة في إسرائيل، ومن ذلك تطوير الطائرة الصينية المقاتلة من طراز (J-10)، التي تُعدّ إحدى أهم الطائرات الحربية في العالم. لكن ما يجب التنبه له في هذا السياق، أن حاجة الولايات المتحدة للواردات من الصين، وللاستثمار في الصين، لا تقل عن حاجة الصين لها. أما إسرائيل، فعلاقتها معها "مدفوعة الثمن"، وتدخل في باب الاستثمار، ومن دلائل ذلك أن تلك العلاقة التي بدأت منذ أواخر السبعينيات، لم تثمر علاقات دبلوماسية بين الطرفين إلا في العام 1992، أي بعد بدء عملية التسوية بين العرب وإسرائيل.
يمكن تفسير ما جرى مع الصين، وما يجري مع الدول المناظرة، كالتالي: يكون على الدولة أن توازن بين مصالحها مع طرفي الصراع، فتتفوق مصالحها المادية وواجباتها الإنسانية التي لدى الجانب العربي، لكن العرب لا يتقدمون لتلك الدولة طالبين تدخلها، مستغلين حاجتها لهم، وذلك ناتج عن تشتتهم السياسي، وضعف التنسيق فيما بينهم، وغياب خطة العمل المشتركة التي يتعاطون من خلالها مع العالم لحل مشكلاتهم، إذ يكتفون باللجوء لمجلس الأمن، وهو أمر لا يحتاج تخطيطاً استراتيجياً مسبقاً. عندها، تفضل تلك الدولة الصمت، إذ مع من ستتكلم والعرب ليسوا صفاً واحداً، ولماذا ستعرض مصالحها مع أميركا وإسرائيل للخطر من دون مقابل؟!









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية