ليس مفهوماً لماذا يعمد بعض العرب والفلسطينيين، إلى ترديد المقولة الإسرائيلية التي مفادها أن جيش إسرائيل أنجز المهمة التي خطط لها في غزة، وأن عمليته العسكرية هناك، لم تهدف لأكثر من "تأديب" المقاومين وداعميهم، عبر إظهار الكلفة البشرية والعمرانية الباهظة التي تنتج عن المقاومة، وجعلها عبرة للآخرين من القوى والدول الإقليمية. مثل هذا الأمر ليس مقبولاً حتى في سياق الملاسنات الفصائلية بين المتسابقين على شرعية تمثيل الشعب الفلسطيني، ذلك أنها بالضرورة ضارة للطرفين، إذ حتى بالنسبة لمن يتبنون خيار التفاوض، ويرفضون ممارسة المقاومة، فإن من مصلحتهم القول بصمود المقاومين، وفشل إسرائيل في القضاء عليهم، فذلك مما يعزز موقفهم التفاوضي أمام الخصم المشترك لكل الأطراف، وهو إسرائيل، حسبما يُفترض!
القول بالصمود، ليس فيه تجاوز على "الموضوعية"، إن كان ثمة من يحرص عليها، ذلك أن عكسها هو اجتياح القطاع، وإعادة احتلاله، والقبض على قادة المقاومة، وترحيلهم إلى "إسرائيل"، ومحاكمتهم، وإعدامهم، وقبل هذا استعادة الجندي المخطوف في غزة، وهذا كله لم يحدث، فكيف تكون إسرائيل قد "أنجزت أهدافها"؟!
الصمود في وجه إسرائيل، وقوتها الغاشمة، هو انتصار بالمعنى النسبي، قياساً إلى تاريخنا الحديث والمعاصر مع قوى الاحتلال، منذ حملة نابليون على مصر في العام 1798، إلى حرب "الأيام الستة" في العام 1967 التي احتلت فيها إسرائيل، في ست ساعات، سيناء وغزة والضفة والجولان، مروراً بكيفية دخول جيوش الاستعمار الجزائر وتونس ومصر، وبلادنا كلها من المحيط إلى الخليج، إذ في مقارنة كهذه، يكون على إسرائيل أن تجتاح القطاع في نصف ساعة، وأن تخمد "جيوب" المقاومة في ثلاث ساعات، وأن تقبض على قادة المقاومة في ثلاثة أيام، وهي أمور لم تحصل على مدار ثلاثة أسابيع، في مواجهة مئات من المدنيين يمسون أنفسهم –تجاوزاً وتباهياً- كتائب مسلحة، أفلا ينطوي الحدث، من زاوية تاريخية، على تقدم نسبي في مواجهة قوى الاستعمار؟
مرّت مائتا سنة على العالم العربي، حتى استطاع أن يدحر قوى الغزو لأول مرة، وهو ما جرى في جنوب لبنان في العام 2000. تكرر الأمر مرتين منذ ذلك الحين: في لبنان مرة أخرى في العام 2006، وفي غزة هذه المرة في العام 2009. نستبشر بعد هذا بأن أيام الاحتلال السهل لبلادنا، التي دامت قرنين كاملين، قد انتهت، ولم يعد ممكناً تكرارها إلا بغياب أسس المقاومة، ومنها وجود القاعدة الشعبية التي تقبل تقديم التضحيات، واقتناع المقاومين بإخلاص قيادتهم وتلاحمهم معها، مثلما حدث في العراق في مواجهة الغزو الأميركي في العام 2003، إذ غابت أسس المقاومة، فسهل الاحتلال.
التأكيد على أن الصمود في مواجهة القوة العسكرية العاتية، يعد انتصاراً نسبياً، لا يرمي إلى الدفاع عن فصيل بعينه، أو الانحياز لطرف فلسطيني من دون آخر، بل هو واحد من مهمات معالجة الأزمة الحضارية العربية، أخذاً بالاعتبار تلك النتائج الإيجابية الاستراتيجية التي ينطوي عليها تكريس فكرة إمكانية النجاح في مواجهة العدو، على فرص نهوض الأمة، وأولها التخلص من الشعور المزمن بالهزيمة والنقص الحضاري في مواجهة "الآخر".
المراهقة الفصائلية، لا تبرر إذن الترويج لخسارة المقاومة. حتى المقارنة بين ما أوقعته إسرائيل في القطاع من قتل وجرح وتدمير، وما تكبدته من خسائر بشرية وعمرانية محدودة، لا تبرر ذلك أيضاً، ولو تزيّنت بالموضوعية المزعومة، فمقارنة كتلك كانت تصلح في حروب "ألف ليلة وليلة"، لكنها ليست كذلك لأمة عاشت قرنين من الهزائم العسكرية، وقد يلزمها قضاء قرن آخر من الصمود والمقاومة، قبل أن يصير تدخل الجيوش الجرارة، وانتصارها، ممكناً!












26 يناير, 2009 07:57 ص