استعادت القضية الفلسطينية تعريفها "القديم" كقضية مركزية في العالم العربي، نتيجة الحراك الذي أبدته الشعوب العربية خلال العدوان على غزة. في ظل حالة كهذه، لا يبدو أن الوضع السياسي الفلسطيني يحتمل قيادة تعاني أزمة في الشرعية، على طريقة ما هو قائم في الدول العربية، سواء التي تتالت فيها الانقلابات، أو التي اعتادت على نسب تفوق 95 بالمائة في نتائج انتخاباتها، فالشرعية ضرورية لقيادة ما يزال من مهامها إنجاز التحرر الوطني، وإقامة الدولة، والمحافظة على الاعتراف العالمي بحقوق شعبها.
قد لا تكون "حفلة الردح" التي يشهدها الشارع العربي حالياً تجاه رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، في محلها، بخاصة لأنها تترافق مع اتهامه بالتواطؤ ضد المقاومة الفلسطينية، ومن ثم ضد شعبه في غزة، فمحمود عباس كان في يوم من الأيام بمثابة الأمل للفلسطينيين، نتيجة انخراطه الواعي في اللعبة السياسية الدولية، وإدراكه أبعادها في ما يخص القضية الفلسطينية، وهو بذلك لا يكون "رئيساً متواطئاً"، بل "رئيساً في غير أوانه"، لأن الظروف الموضوعية لم تنضج بعد لحل القضية الفلسطينية سياسياً. لكن هذا لا يجوز أن يعفيه من قراءة المشهد على حقيقته، والتصرف بما تمليه ضرورات الواقع وحاجات القضية الفلسطينية.
الوضع الفلسطيني لا يحتمل وجود قيادة مشكوك في شرعيتها، ومحمود عباس بات اليوم رئيساً مشكوكاً في شرعيته، لسببين: الأول أن فترة رئاسته للسلطة الفلسطينية انتهت في التاسع من الشهر الجاري، والثاني أن الزخم الذي استعادته القضية الفلسطينية بعد العدوان على غزة، لم يكن هو صانعه، بل "قيادة" سياسية أخرى معارضة له، تطرح نفسها بديلة عنه، ويبدو أن ثمة أطرافاً فلسطينية وعربية عديدة تقبل تنصيبها ممثلة جديدة للقضية الفلسطينية، هي ذاتها الأطراف التي تتهم "عباس" بالوقوف متفرجاً وعدم المشاركة في صياغة المكانة الجديدة للقضية الفلسطينية.
يتجلى هذا الشك في شرعية رئاسة عباس، مثلاً، بمطالبات ظهرت في البلدان العربية النفطية، تدعو لعدم ترك الدعم المالي الذي سيتم رصده للفلسطينيين، بعد طول انقطاع، في عُهدة "سلطة عباس"، بل تقديمه "للمقاومين"، أي حركة حماس على وجه الخصوص، باعتبارها الحاضرة على الأرض وفي مواجهة الاحتلال، وهذا يعني أن ثمة إرباكاً سيشهده "التضامن" العربي مع القضية الفلسطينية خلال الفترة المقبلة، بسبب الخلاف حول شرعية تمثيل محمود عباس للقضية الفلسطينية، هذا فضلاً عن الإرباك الذي سيتزايد داخل "البيت الفلسطيني"، للسبب نفسه.
وعلى هذا، فإن استمرار قيادة محمود عباس للسلطة الفلسطينية، تبدو غير مفيدة: فهو من جهة "رئيس في غير أوانه" كما سبق القول، ومن ثم فإن نهجه السياسي لن يكون مثمراً ولا يُتوقع منه خدمة الأهداف التحررية للشعب الفلسطيني، وهو من جهة ثانية غير قادر على الإفادة من استعادة القضية الفلسطينية أهميتها عربياً وإنسانياً، بسبب تلقيه كثيراً من اللوم والشكوك، مقابل إخفاقه المستمر في مدّ خطوط التفاهم مع الناس لجهة شرح رؤيته الوطنية، وزهده في ماهية الصورة الإعلامية التي يظهر بها للرأي العام، على عكس حال السياسيين الفلسطينيين الآخرين.
ما الذي تبقى لمحمود عباس إذن، ولماذا يصر على الاستمرار في شغل الموقع الرئاسي؟ هل يظن أن في ذلك واجباً وطنياً يؤديه، ولا يجوز أن يتراجع عنه في هذا الظرف الحالك الذي يعبره خيار التسوية السياسية للقضية الفلسطينية؟ إذا كان الأمر كذلك، فليشرح هذا علناً، بعد أن لم يعد ثمة ما يقبل الإخفاء، وإلا فليعلن نفسه رئيساً سابقاً انتهت فترة ولايته، فلعل خطوة كهذه تنطوي على أداء أجدى لـ"الواجب الوطني".









24 يناير, 2009 12:27 م