لنتكلّم

المعركة الحضارية الحقيقية، هي: في المجتمع، ومع ثقافته.

فقاعة "الوطن البديل"

هل الأردن دولة قوية ومستقرة ومتماسكة أم لا؟ إجابة هذا السؤال، تحدد كيفية التعامل مع المخاطر التي تمثلها الخطط الإسرائيلية، لتصفية القضية الفلسطينية. وأؤمن، كما كثيرون، بأن الأردن دولة قوية بما يكفي لرد المخططات الصهيونية، فمخططات كتلك لا يمكنها أن تتحول إلى واقع، أي لا يمكن لإسرائيل أن تفرضها، ما دام الأردن يرفضها، ويتمسك برؤيته حول ضرورة وجود الدولة الفلسطينية المستقلة.

أما التفسير فبسيط، إذ ما الذي تملك إسرائيل فعله إزاء دولة متماسكة، ترفض الانسياق وراء خططها؟ بالطبع: لا شيء، فقد ولى زمان فرض الحلول من طرف واحد، وبات لدينا اليوم دولة ذات حضور في الإقليم، لا يملك طرف بعينه إكراهها على ما لا تريد. أليس كذلك؟!

على هذا، فإن المهووسين بحكاية "الوطن البديل"، الذين يتذكرونها في مناسبات الاحتقان الإقليمي، كهذه التي نعيشها اليوم بسبب العدوان الإسرائيلي على غزة، ويتذكرونها أحياناً من دون مناسبات، لا يقرأون الواقع جيداً، ويظنون أن رغبات إسرائيل أوامر، متناسين أن الأردن المزدهر بفضل حضور أبنائه، تجاوز خطر أن يكون وطناً بديلاً لأحد، منذ أن بات قادراً على إدارة نفسه بنفسه، ولا محل فيه لـ"كفاءات" تأتي من الخارج، لتستولي على ما لديه من إمكانات ومقدرات.

علينا –بالطبع- أن نتفهم مخاوف البعض، وبخاصة من "النخبة"، ممن لديهم هواجسهم تجاه مستقبلهم الشخصي، وأحياناً مستقبل الأجيال القادمة من أبنائهم وأحفادهم. قد تكون تلك المخاوف، على هذا الصعيد وحده، مبررة، لكنها هي الأخرى ليست موضوعية، وتنتمي للمجال نفسه الذي لا يستوعب أن الأردن تجاوز مرحلةً تُفرض فيها الحلول من الخارج، بخاصة في المسائل الاستراتيجية المعنية بوجود الدولة.

الأسوأ من تلك المخاوف "المبررة"، هواجس أخرى غير مبررة، يدفعها فهم إقليمي ضيق، يضيق بحال الدولة الأردنية الحالي. ومن المؤكد أن أصحاب هذا الفهم، يتخذون "الوطن البديل" فزّاعة للتنفيس عن ضيقهم.

حكاية "الوطن البديل"، إذن، ليست سوى فُقّاعة، يبددها الإيمان بالدولة الأردنية وقدرتها على الثبات. وما دام الأمر كذلك، لأن الأردن هو الأردن، وفلسطين هي فلسطين، ولا تملك إسرائيل أن ترسم الخريطة على مزاجها، فإن قدرة تلك الفقاعة على دغدغة مخاوف الحريصين على مكتسباتهم الشخصية، إنما تشي بوجود خلل لا يتفق ومبدأ المواطنة، القائم على العدالة وتكافؤ الفرص، تحرص تلك "النخبة" على إدامته.

ثمة خلل إذن، وثمة تجاوز على الدستور الذي يضمن المساواة بين المواطنين. تلك هي القصة الحقيقية، وذلك هو الخطر الحقيقي الذي يريد تحويل الأردن من وطن لكل أبنائه، إلى وطن آخر، لـ"نخبة" منهم فقط!

هناك خلل آخر، طبعاً، يمثله الذين يناهضون هواجس الوطن البديل بغرض المطالبة بجزء من كعكة المكتسبات والفرص، على أساس "المحاصصة"، بدل مناهضتها لأنها تسيء لمستقبل الأردن وتقدمه وحضوره. هؤلاء، أصحاب أطروحة "الحقوق المنقوصة"، لا يقلّون ضرراً عن الذين يروّجون لخطر الوطن البديل من أجل الحصول على الكعكة كلها، فكل واحد من الطرفين ينطلق من مصالحه، لا مصالح البلد، ويعتبر ما يفعله "شطارة".

قليل من الصدق مع النفس أيها السادة: ما الذي يحمي الأردن، بالله عليكم؟ أليس تماسك مجتمعه وولاء أبنائه له؟! وكيف يتحقق هذا؟ أليس بالعودة إلى الدستور والأخذ بمفهوم المواطنة، والتخلص من نهج "الشطارة" الذي يتحكم بحياتنا عوضاً عن القانون؟

مواجهة أي خطر محتمل، يلزمها "تمتين الجبهة الداخلية"، وذلك لا يتحقق إلا عن طريق إقامة العدل، وتكريس سيادة القانون، لأن "الظلم مرتعه وخيم". أما الذين يريدون إقناعنا بأن مواجهة "الوطن البديل" يلزمها خنق قطاعات من الشعب، على اختلاف "أصولها"، فإنهم لن يصرفوا أنظارنا عن الحقيقة، التي مفادها أن الحكاية حكاية مكتسبات، تريد الانقضاض على الحريات!

 



أضف تعليقا