لنتكلّم

المعركة الحضارية الحقيقية، هي: في المجتمع، ومع ثقافته.

معكم في المعركة!

كلنا معك في المعركة، يا شعب غزة الذبيح، ولن نتركك وحدك.

* * *

فالنظام الرسمي العربي، المتوزع بين محوري "الاعتدال" و"الممانعة"، هرع ليرسل لك أدوية تطهير الجروح، والسكر والأرز والشاي المعطّر، واستعمل منظمته المسمّاة "جامعة الدول" لحثّ البلدان التي تقدم المال والسلاح والغطاء السياسي لإسرائيل، على انتقاد إسرائيل، خاصة بسبب "استعمالها المفرط للقوة".  إنه معك في المعركة، برغم تعارض "استراتيجياته"، وليس عدلاً أن يُفهم نشاطه كمسعى لحفظ ماء الوجه المهدور، أو كمحاولة بائسة لاكتساب شرعية مفقودة.

* * *

والنظام النفطي النشيط، الذي لا يترك شاردة ولا واردة للعب دور ريادي في القضايا العربية، رغم صغر مساحة دولته، متنقلاً بلياقة عزّ نظيرها بين "الممانعة" و"الاعتدال"، معك أيضاً في المعركة، ولن يتركك وحدك، فما إن وقعت الهجمة الإسرائيلية الهمجية، حتى راح يدعو لعقد القمم وتنشيط المهام الدبلوماسية، ولم يكن في تفكيره أبداً استثمار اللحظة لزيادة نفوذه، أو استغلال الحالة لإحراج خصومه من الأنظمة العربية الكبيرة.

* * *

والنظام النفطي الآخر، الذي تخلى للتو عن أحلامه "النووية"، معك من دون شك، وليس في خاطره أبداً المتاجرة بآلامك، لتصوير نفسه بمثابة "الأمين على القومية العربية"، حتى وإن كان لا يملك إلا انتقاد الآخرين، والتهديد بالتخلي عن انتمائه القومي، لصالح الانتماء القارّي.

* * *

والتيار الأيديولوجي الكبير، الذي يُصوّر تأييده ضمانةً لدخول الجنة، معك -طبعاً- في المعركة، ولا يبغي من خطاباته الحماسية التذكير بأنه صنو المقاومة، وجناحها عبر النهر، لعله يسترجع شعبية فقد بعضها في السنوات الأخيرة.

* * *

والأحزاب محدودة العضوية، المتطلعة بشغف للفوز في كل انتخابات، معك هي الأخرى في المعركة، ولا تبغي من مظاهراتها ومسيراتها التي تصّر فيها على رفع راياتها الحزبية الملونة، أن تلفت نظر جمهور الناخبين المحتملين، ليتذكروا أنها ما تزال موجودة، وأن لدينا –في البلد- حياة سياسية تعددية، تشتغل فيها قيادات وكوادر طموحة.

* * *

وتلك المجموعة من المشغولين بالتقسيمات الديمغرافية، التي تطرح نفسها كتيار يساري يتبنى الصراع الطبقي، معك –أيضاً- في المعركة، فها هي تهرع لاختطاف الفعاليات الجماهيرية من خلال تصدّر صفوفها الأولى، حتى لو لم تكن شاركت في تنظيمها أو ابتكار فكرتها، وليس في خاطرها –أبداً- استغلال الحدث الأليم لتحقيق مكاسب جماهيرية، أو تصوير نفسها باعتبارها تياراً سياسياً ناجزاً.

* * *

وبائع الأشرطة الذي توقف عن بثّ أغنيات هيفا وروبي على مسامع المارة، ليقدم بدلاً منها أغنيات ذات طابع وطني، وبائع الكتب الذي تذكّر عرض عناوين عن غزة وعن صمود جنين وعن القضية الفلسطينية، بدلاً من كتب السحر والطبخ، وكذلك بائع الألبسة الذي عادت إلى واجهة محله "كوفيات" سوداء وحمراء، بعد أن كانت تراجعت لصالح كوفيات جديدة ملونة، كلهم معك في المعركة، بخاصة لأن الأغنيات الجديدة، والعناوين الجديدة، والكوفيات القديمة، باتت تحقق مبيعات أكبر، وأرباحاً أكثر.

* * *

كاتب هذا المقال معك أيضاً، وهو لا يبتغي أن يحصد إعجاب القرّاء وتأييدهم لمقاله. القرّاء كذلك معك في المعركة، لكنهم لا يملكون إلا ملاحقة الأخبار، وكبت الغضب والحزن، ولا يقصدون من اختلافهم في الرأي أن يثبتوا وجاهة آرائهم، وأفضليتها على آراء مخالفيهم.

* * *

كلنا معك في المعركة، أيها الشعب الذبيح، ولكن: "كم كنت وحدك"!



أضف تعليقا