دخلت الأحداث في غزة منعطفاً جديداً. غير أن المواقف تجاه هذا العدوان لا تقررها أحداث غزة وحدها، فقد باتت القضية الفلسطينية، بعد أكثر من ستين سنة من الاحتلال الصهيوني، معقّدة جداً، بحيث أن المواقف تجاه أي حدث فلسطيني لا يحدده الحدث بذاته، بل يحمل أيضاً تبعات السنين وتطورات القضية وانثناءاتها.
على هذا، لا ينظر الناس في المواقف الصعبة، كهذه التي نعيشها، لـ"الرأي الآخر" باعتباره محاولة حكيمة لاستبصار الواقع وإبداء وجهة نظر موضوعية إزاءه، تُحقق القدر الأعلى الممكن من المصلحة العامة، بل ينظرون إليه باعتباره محاولة تخريبية، يطلقها "طابور خامس" لا يعجبه سعي الأمة إلى التحرر، بعد كل هذه الحروب الخاسرة مع "إسرائيل".
وعلى هذا، تكون لـ"الرأي الآخر" نتيجة معاكسة لتلك التي ربما أرادها صاحبه. ألا يعني هذا أن على "الرأي الآخر" مراعاة الزمان والمكان الذي ينطلق فيه؟!
حيال العدوان الإسرائيلي على غزة، يفهم الناس "الرأي الآخر" الذي قد يطالب بالتهدئة مع إسرائيل، أو السعي لحل سياسي للأزمة، أو حل الخلاف بين فتح وحماس لإعادة المسؤولية الأولى في غزة إلى سلطة محمود عباس، أو غير ذلك من اقتراحات تعترض على نهج المقاومة، أو تشكك بجدوى المواجهة مع الجيش الإسرائيلي، أو تعبّر عن مسعى لحقن دماء المدنيين في غزة، كالتالي:
- أن صاحب "الرأي الآخر" لديه موقف مسبق من حماس، يسعى بسببه لانتقادها وتخطيئها أياً كان أداؤها، وقد يكون مرد الموقف المسبق –في نظر الناس- سياسياً، بمعنى أن صاحبه منحاز لخصوم حماس السياسيين، أو دينياً، بمعنى أنه منحاز ضد نهج حماس كله، ورؤيتها وتفسيرها للحياة، التي تنعكس على رؤيتها للقضية الفلسطينية.
- أن صاحب "الرأي الآخر" مهزوم نفسياً، ويريد تعميم هزيمته على الأمة كلها، ما يمنعها من تحقيق حلمها بالتحرر، بخاصة في هذا الوقت الذي بات فيه النضال ضد "إسرائيل" يأخذ منحى أكثر جدية، بعد أن توفرت لدى قوى المقاومة قدرات لضرب عمق الاحتلال، وبعد أن تعرّضت "إسرائيل" فعلاً لهزيمتين عسكريتين في جنوب لبنان خلال أقل من عقد واحد.
- أن صاحب "الرأي الآخر" من أولئك المستسلمين، الذين فضلوا نهج التفاوض حتى لو كان لا يُثمر إلا فُتاتاً، على نهج المقاومة الأكثر إثماراً حتى وإن احتاج تضحيات أكبر، وهو لذلك يُعارض كل المقاومين، لأن أداءهم وإنجازاتهم تُحرجه، وتكشف تخاذله.
- وأخيراً، طبعاً، أن صاحب "الرأي الآخر" عميل لإسرائيل والإمبريالية، وأنه باع ذمته لقاء مال أو منصب، فهو بمثابة بوق دعائي لا يحفل بمصلحة الأمة وتحررها، بل بالتكسب عبر المتاجرة بقضاياها.
بالطبع، تكون بعض الشكوك صحيحة أحياناً، لكنها ليست صحيحة كلها بالضرورة، فقد يكون صاحب "الرأي الآخر" نبيلاً في مقصده ومرماه، غير أنه يؤخذ بجريرة الآخرين، من أولئك غير النبلاء! وعلى هذا فإن أصحاب "الرأي الآخر"، من أولئك الذين لا يبتغون إلا المصلحة العامة، مطالبون بأن يصمتوا قليلاً، بخاصة في مثل هذه الظروف، وأن يختاروا المكان والزمان الذي يلقون فيه رؤاهم وقناعاتهم، إن كانوا يريدون فعلاً أن تحقق أفكارهم مصلحة عامة، وأن يتمايزوا عن الذين يصدق فيهم الشك.
على سبيل المثال، فإن "الرأي الآخر" السياسي، لا يجوز أن يُقدّم إلا في وسط سياسي، بل في وسط سياسي يملك القرار، كي يكون استعماله وتطبيقه ممكناً، ما دام مقصده تحقيق المصلحة العامة، لا الحشد والتعبئة، بخاصة بعد كل هذه السنوات التي انطوت على تجارب مؤلمة، شكّلت الرأي العام وفق طبيعة معينة. أما التعبئة، فينجزها "الرأي السائد"، إذ لا يملك "الرأي الآخر" منافسته أبداً!.









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية