لنتكلّم

المعركة الحضارية الحقيقية، هي: في المجتمع، ومع ثقافته.

أمّة مهزومة وقائد منتصر

الشتائم التي يُجهد البعض أنفسهم في رشق أمين عام حزب الله بها، في هذا الحال الحرج الذي نعبره ميدانياً ونفسياً بينما تتعرض الأمة لعدوان برري من بوابة غزة، بدعوى أنه "شيعي"، تثير الاشمئزاز حقاً. كذلك الحال بالنسبة للجهود "الجبارة" التي يبذلها آخرون هذه الأيام، لإظهار ما يسمونه "المواقف الحقيقية" لإيران "الشيعية" من فلسطين، فهؤلاء كلهم لا يعملون بالحكمة الدينية والأخلاقية العظيمة التي تؤكد "..فليقل خيراً أو ليصمت".

كأننا نحتاج اختراع عدو جديد، سوى إسرائيل، أو لكأننا متخصصون في الفُرقة والانقسام، متناسين أن الانقسام هو سبب كل هذا الذي يجري، لأنه الذي يمنع الأمة من أن يكون لها "برنامج عمل" تخرج بموجبه من حالها الحضاري المتخلف.

لن ننادي بضرورة وحدة الأمة على اختلاف مذاهبها، فهذا من فائض القول. ولن نرمي الساعين في الفُرقة، في هذا الظرف الخطير، بالخيانة، فمنهم كثير ممن غُرر بهم. لكننا سنذكّر بما قاله حسن نصر الله نفسه، قبل أيام، حين أكد أن الخصومة مع إسرائيل سياسية في حقيقتها، لا دينية أو مذهبية، فهي تتعلق بالبرنامج السياسي للجهة التي تحاربها، لا بدينها أو مذهبها أو عقيدتها.

"ثقافة الوحدة"، هي التي نفتقدها. إنها في الحقيقة "ثقافة التعددية والاختلاف"، التي تضمن الوحدة في إطار من حرية الرأي والقناعة والاعتقاد، بما في ذلك الاعتقاد الديني، كي يكون ثمة "أمة" واحدة، لها مصالح مشتركة، ومستقبل واحد تخطط له وتعمل لأجله، تماماً كما هو الحال عند الأمم الأخرى، التي لا يمنعها تنوعها الديني والثقافي والقومي من أن تكون موحدة حين مواجهة الظروف الصعبة، سياسياً وعسكرياً، فيحقق لها ذلك النجاح والتقدم.

كثيرون منّا، وليس "بعضنا"، وعلى افتراض حُسن النوايا، مسكونون بفكرة الفرقة الناجية: يريدون أن يُخضعوا كل الأمة لفهمهم ورؤيتهم للحياة، ظناً منهم أنهم بذلك يجعلونها "أمة ناجية"، ينصرها الله على خصومها، متناسين أن هذا النهج يخالف مبدأ ربط الأسباب بالمسببات، الذي يشترط تحقق الظروف الموضوعية والعملية والميدانية التي تقود إلى ذلك النصر، ومنها –بالضرورة- الوحدة.

ما يتعامى عنه هؤلاء، أن المواقف اليوم تُحددها حالة المحاور التي تعيشها منطقتنا. "قل لي ما محورك، أقول لك من أنت": تلك هي المقولة الأكثر تعبيراً عن الحال اليوم، وعليه لا يكون ممكناً أن يكون المرء مع المقاومة في فلسطين، لكنه ضد المقاومة في جنوب لبنان، أياً كانت الأسباب، سياسية أو مذهبية.

ليس ذلك فقط، بل إن تلك "المواقف الحقيقية" التي يتحدث عنها هؤلاء باعتبارها مواقف الشيعة، كل الشيعة، من القضية الفلسطينية، ليس لها من الحقيقة نصيب. إنها بمثابة التصيّد في الماء العكر، لأقوال وتصريحات قالها هامشيون هنا وهناك، أو موتورون هنا وهناك، أو مغرر بهم من هنا وهناك، من أفراد شيعة ربما لا يمثلون إلا أنفسهم، تماماً كما لا يمثل الساعون في الفرقة من "طرفنا" إلا أنفسهم أيضاً، على افتراض حُسن نواياهم طبعاً! بينما "المواقف الحقيقية" تظهر واضحة جلية في الميدان، مكتوبة بلون الدم.

ستحتاج مسائل الوحدة والترفع عن الاختلافات، مراجعات عديدة بعد أن تنقضي معركة غزة، فمعركة الأمة ما تزال طويلة، ميدانياً وثقافياً. حتى ذلك الحين، أقترح على من لم يشعر بعد بالاشمئزاز تجاه ذلك النوع من الشتائم، أن يجيب على السؤال التالي: أمة مهزومة، توالت هزائمها منذ نحو ستين عاماً، تواجه قائداً منتصراً، من أبنائها، هزم عدوها مرتين، فكيف تتصرف إزاءه يا تُرى: أترميه بالنعال أم ترميه بالورود؟

 



أضف تعليقا