اعترض عدد من القرّاء والأصدقاء على ما جاء في مقالي السابق حول العمل الخيري "الإسلامي"، الذي تمنيت فيه الخروج من تقليدية "الإحسان" الموجه ضد الفقر والجوع، وتوجيهه نحو صناعة واقع نهضوي جديد، من خلال دعم الموهوبين والمخترعين والمفكرين، على اعتبار أن الجوع هو نتيجة لغياب التنمية الشاملة، وليس سبباً لها. وقد تراوحت تلك "الاعتراضات" من تنبيه لضرورة الترحيب بالمحسنين، إلى اتهام بمعاداة العمل الإسلامي، أو حتى الإسلام نفسه، مع ربط ذلك بمشروع "العلمانية المؤمنة".
أولاً: إن أموال الزكاة والصدقات، لا توجه نحو الفقراء والمحتاجين والجوعى، إلا بعد إنجاز الحالة الحضارية التي تكفي المسلمين شرور أعدائهم، بما في ذلك إقامة مجتمعات "إسلامية" قوية بالمعنى الحضاري، ومتقدمة وناهضة وذات تأثير في العالم. فقوة المسلمين ومنعتهم، تتقدم على كل ما سواها من غايات، وعلى هذا تكون أولوية صرف المال هي في بلوغ تلك الحضارية، التي يبتعد العرب والمسلمون المعاصرون عنها كثيراً. وفي هذا السياق، تحسن الإشارة إلى ما قاله البعض عن عهد عمر بن عبدالعزيز، الذي فاض فيه المال عن حاجة المسلمين، فالحقيقة أن هذه الإشارة هي مما يؤيد فكرتي، ولا يخالفها، فلم يوجه الخليفة المال الفائض إلى المجتمع، سائلاً من يريد الزواج أن يأخذ منه، إلا ودولته في أقوى حالاتها: تفتح البلاد وتنشر العدل وتحمي عزة المسلمين، فالأولوية إذاً هي للتخلص من المذلة بين الأمم، ثم لإطفاء الجوع، مع علمنا أن التخلص من المذلة التي نعيشها اليوم، هي بذاتها أساس لتغييب الفقر والجوع والجهل.
ثانياً: إن من غير المقبول، في مجتمع إسلامي حقيقي، يسوده العدل، وجود "محسنين كبار"، لأن وجود أمثال هؤلاء معناه وجود فارق طبقي هائل بين الناس، يفصل بين أقلية فاحشة الثراء، وأقلية أخرى معدمة لا تجد قوت يومها. فإذا أخذنا باعتبارنا القول الحكيم المنسوب إلى علي كرم الله وجهه، ومفاده "ما جاع فقير إلا بما شبع منه غني"، عرفنا أن هؤلاء الأثرياء قد تجاوزوا على حصص فئة واسعة من مواطنيهم، وهو ما يناقض واحداً من أهم الأسس الفلسفية في الإسلام، التي يتناسها كثير ممن يسمون أنفسهم "إسلاميين"، حين يعدون الثراء الفاحش "بركة في المال"، وينسبونه إلى رضى الله، مع أن هذا الثراء الفاحش هو مما يخلق التوترات في المجتمع "الإسلامي"، ولا يعود ممكناً معه التفكير بإنجاز تقدم حضاري له أثره في العالم. وعليه، فإننا نتمنى أن نصل مرحلة لا يكون فيها ثمة "محسنين كباراً"، حين لا يكون ثمة فارق كبير في المستوى المعيشي بين الناس، يمكّن ثرياً من التفضل على فقير، بمال حصل عليه أصلاً بسبب غياب العدالة في المجتمع!
وعلى أية حال، فإن هذا كله يقتضي أن يكون توزيع الزكاة والصدقات مرهوناً بالدولة، لا بالمحسنين والهيئات الإحسانية مباشرة، كما كان يفعل عمر بن عبدالعزيز، الذي هو مضرب المثل عند كثير من الناس. لكن "الإسلاميين"، المحبين للتفضل على الفقراء، سعياً وراء الشعور بالرضى عن الذات، والاعتقاد بالأهلية لدخول الجنة، يرفضون ذلك، لأنه يقتضي أول ما يقتضي، أخذ المال منهم بسطوة القانون، أي بالإلزام، وحينها لن يتوافر لديهم ذلك الشعور الجميل بالتفضّل والتكرم والإحسان، حتى لو كان شعوراً مضمراً بين المرء ونفسه!









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية