لنتكلّم

المعركة الحضارية الحقيقية، هي: في المجتمع، ومع ثقافته.

المُحسنون الكبار!

اقترح برنامج تلفزيوني وعظي، أوجهاً لصرف أموال "المحسنين الكبار" في شهر الصوم، فكانت: بناء المساجد في المناطق النائية، تدريس بعض الشباب "علوم الدين"، إطعام الفقراء، كفالة الأيتام. والحال أن ما قاله البرنامج إنما يكرّس أوجه الصرف الإحسانية "المعتمدة" في مجتمعاتنا، التي يُلاحظ أنها كلها، يغيب عنها التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى لمصالح الأمة، في واقعها المتخلف هذا، المرتهن لخصومها الحضاريين، ولاعدائها ومحتليها.

هذا الطابع الاجتماعي لأوجه الإحسان، يحقق مصالح محدودة، غير مستمرة: فالمسجد يخدم عدداً محدوداً من الناس، يمكن أن يؤدوا صلاتهم في مسجد آخر قريب، بل يمكن أن يصلّوا من دون مسجد، لأن الصلاة غير مشروطة في المساجد. وتدريس ما يسمى "علوم الدين"، والمقصود بها الفهم السلفي للإسلام، لن يستفيد منه إلا عدد محدود جداً من الناس، على افتراض أنه أكثر فائدة من دراسة العلوم الحقيقية الأخرى. كذلك فإن إطعام الفقراء يشبعهم ليوم واحد ولا يحل مشكلة الجوع، وكذا فإن كفالة الأيتام تخدم نطاقاً محدوداً، فضلاً عن أنها يجب أن تكون من واجبات الدولة، لا غيرها.

وهكذا فإن هذا العمل "الإحساني"، يوفر لأصحابه شعوراً بالرضى عن الذات، لكنه في الحقيقة لا يخدم أمتهم كما يجب أن يكون عليه حال خدمتها، بالنظر إلى ما تعانيه من أزمة حضارية كبرى. المال النافع، هو ذاك الذي يوجه لحل هذه الأزمة الحضارية، في أوجهها المعرفية والثقافية، ما يمهّد لها سبيل التحضّر، ويمكّنها من وسائل الاختراع والابتكار والتطوّر، مما تستفيد منه الأمة بعمومها، وينعكس إيجابياً ليس فقط على صورتها في العالم، بل أيضاً على صورة دينها، الذي يقول "المحسنون الكبار" إنهم يريدون خدمته.

العمل الإحساني، يعاني إذاً المشكلة ذاتها التي تعانيها النشاطات المختلفة لدى العرب والمسلمين، المتمثلة بغياب التخطيط الاستراتيجي، وعدم الانتباه لجوهر الأزمة التي نعانيها، فالفقر والبطالة والجوع، ليست سوى نتائج لحال التخلف الذي يمنعنا من توظيف ثرواتنا الهائلة بما ينفعنا على المدى الطويل، ويعيدنا إلى مسار التاريخ.

والحقيقة أن هذه الأزمة تنبع أصلاً من فكرة الإحسان نفسها، كونها فكرة استعلائية، تُخيّل للغني أنه يتفضل على الفقير، ولهذا يكون كل همّه، في إنفاقه، هو إيصال المال للفقراء، وصرفه على المعوزين، بطريقة مباشرة خالية من بعد النظر، مُعتقداً أن صرف المال في أوجه غير الفقر والجوع، ليس إحساناً يُثاب عليه، فلا يوجه ماله –مثلاً- لدعم الموهوبين علمياً، لعلهم يصيرون مخترعين يوفرون لأمتهم سبل التمكين، حتى لو لم يكونوا أيتاماً ولا معدمين. ولا يصرف ماله في برامج للتنمية الثقافية، تساهم في تغيير النمطية القمعية الأبوية السائدة في مجتمعاتنا، فذلك –في ظنه- ليس عملاً "إسلامياً".

المحسنون، يريدون بإحسانهم التدخل لتغطية تقصير خزينة الدولة في سد حاجات الناس. لكن هل الدول مقصّرة في هذا الجانب فقط، أم أن هذا الجانب إنما نتج عن تقصيرها في جوانب التنمية بعيدة المدى؟ الإحسان النافع، إذا ارتضينا فكرة الإحسان المالي من حيث المبدأ، هو الذي يساهم في سد ذلك العجز التنموي الاستراتيجي، متجاوزاً ثنائية الغنى والفقر، ومتطلعاً لأثر يبقى، لا ينقطع به عمل المحسن، حتى لو انقطع ذكره.

هذا العمل الإحساني، يحتاج إذاً توجيهاً معرفياً عميقاً، يبعده عن أوهام التفضّل المباشر على آخرين محتاجين، ويخلّصه مما يرافقه بالضرورة من شعور بالاستعلاء. وما نظنه أن كثيراً من هؤلاء "المحسنين"، لا يسرهم ذلك الشعور بالتفضّل، بل أنهم يكونون أكثر سروراً حين يرون أثراً بعيد المدى لمالهم، حتى لو لم يُعرفوا به، وحتى لو تطلّب ذلك تغيير مصطلح "الإحسان"، وعدم تسميتهم بالمحسنين، فالأجر عند الله.

 



أضف تعليقا