في صيف كل عام، نشهد حملة غير منظّمة، إعلامية ومجتمعية، ضد امتحان الثانوية العامة (التوجيهي) الذي تجريه وزارة التربية والتعليم لجميع طلبة الصف النهائي في الثانوية، على اختلاف مدراسهم، الحكومية والخاصة، وتكون نتائجه، من ثم، مدخلاً لقبول هؤلاء الطلبة في الجامعات.
الاحتجاجات على هذا الامتحان، تتراوح بين وصفه بأنه "غير تربوي"، ولا تنتهي بالقول إنه لا يعبر بالضرورة عن كفاءات الطلبة، وأنه لذلك لا يجوز أن يكون حكماً في التخصصات الجامعية التي يدرسونها. والحاصل أن أكثر الانتقادات إنما تختص بتلك الحجة الأخيرة: عدم جواز أن يكون التوجيهي دليلاً للقبول في الجامعات، والتوزيع على التخصصات.
نستطيع تفهّم بعض الاحتجاجات على التوجيهي، بخاصة تلك التي تختص به كامتحان، فتتحدث عمّا يرافقه من مظاهر "غير تربوية"، مثل التوتر الذي يُفرض على الطلبة وأسرهم. أما الاحتجاجات المُطالبة بالفصل بينه وبين القبول في الجامعات، الداعية لاعتماد مدخل آخر للقبول، قوامه إجراء امتحانات قبول جامعية في كل تخصص، أو ترك الأمر للجامعات تقرر فيه ما يناسب تطوير عملها، وتحسين مستوى خريجيها، فإنها احتجاجات لا بد أن تخضع للبحث والتمحيص، كونها تتعلق بمسألة يمكن وصفها بـ"الخطيرة".
ولا يجوز هنا التذرّع بما هو موجود في دول العالم المتقدمة في مسألة القبول بالجامعات، من حيث تعهّد الجامعات بالقبول من عدمه، وبتحديد الاختصاص الدراسي للطالب، أو من حيث سماح بعضها لكل من يرغب بدخول التخصص الذي يريد، ثم يكون الحكم على استمراره في الدراسة أو فصله من ذلك التخصص، هو مقدار تحصيله فيه. فالحقيقة الساطعة التي لا يحجبها غربال، هي أننا نعيش ظروفاً وثقافة اجتماعية، تختلف عن تلك الموجودة في تلك الدول، وهي تنعكس على مسألة القبول، فلا يجوز تجاهلها أو التغاضي عنها.
بعض منتقدي التوجيهي، ينظّرون في الفراغ، ولا يأخذون في اعتبارهم هذه "البيئة الثقافية" التي يجري فيها الامتحان، أو يظنّون أنهم يعيشون في المدينة الفاضلة التي لا مشاكل فيها. إن حسنة امتحان التوجيهي، التي تجعل الدعوة لإلغائه غير مقبولة، هي أنه يحيّد عنصر "الواسطة" في مسألة الحكم على الطلبة، وإظهار التمايز بينهم، فهو يُخضعهم جميعاً لـ"مسطرة قياس" واحدة، ثم لآلية توفّر النزاهة في تصحيح الإجابات، كون المصحح لا يطّلع على اسم الطالب، وهكذا يتحقق العدل بين الجميع على اختلاف طبقاتهم الاجتماعية، ونفوذ عائلاتهم.
أما لو صار أمر القبول إلى "مؤسسات" متناثرة هنا وهناك، أو أفراد يسموّن "مسؤولين"، فإن الواسطة ستدخل من الباب والشُبّاك، بل من الجهات الأربع، كما ستتحكم الأهواء الشخصية بأمر قبول هذا أو ذاك، ورفع علامة هذا وتخفيض علامة ذاك، سواء إذا أجرت المدارس امتحانات طلبتها بدلاً من الوزارة، أو الجامعات في بداية السنة الجامعية الأولى أو نهايتها، وستصير مسألة العلامة التي تحدد قبول الطالب في الجامعة، وسيلة لتكسّب أصحاب الضمائر الميتة، وقد كتبت سابقاً، في نقد الدعوة لإلغاء التوجيهي، ما يجدر تكراره هنا: "أحترم أساتذة الجامعات الأكارم، لكني لا أضمن أنهم جميعاً يحترمون مهنتهم، بخاصة من تعلّم منهم بالواسطة، وعلى حساب الواسطة، ثم تعيّن بالواسطة..".
قد يقول قائل إن النظام الحالي للقبول في الجامعات، لا يضمن العدالة التامة، بسبب الاستثناءات التي فيه. ذلك صحيح طبعاً، لكن تلك معركة أخرى، ولو ألغينا التوجيهي فإن غياب العدالة سيكون أكبر، وستصير الاستثناءات هي الأساس.
قد يكون التوجيهي "غير تربوي"، لكنه في الحقيقة لا بديل له، حتى تتغير ثقافة الفساد التي تحكم سلوكنا، وتوجّه حياتنا على أساس الوساطات والمحسوبيات والنفوذ. يعيش التوجيهي، ما دام يقاوم هذا الفساد، ويهزمه!









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية