لنتكلّم

المعركة الحضارية الحقيقية، هي: في المجتمع، ومع ثقافته.

نجح المهرجان.. فماذا نستنتج؟!

أبدأ بالتأكيد أنني لست معنياً بنجاح المهرجان الغنائي المسمى "مهرجان الأردن"، وذلك بسبب ثقافتي المحافظة. كما أنني لست معنياً بفشله من منظور المناكفات السياسية التي دارت رحاها خلال الفترة الماضية وما تزال، ولهذا فإني أرجو أن لا يُحمّل ما سأقوله تالياً تبعات المواقف والاصطفافات السياسية، وأن يُقرأ بموضوعية لا تحكمها مواقف مسبقة.

تدل كل المؤشرات الجارية على أرض الواقع، أن "مهرجان الأردن" في طريقه للنجاح، رغم كل عمليات الرفض التي حرّكها المعارضون لإقامته، من الذين صنّفوه في خانة التطبيع مع "إسرائيل" (ولست معنياً بنفي هذه التهمة أو إثباتها)، بعد ما قيل عن إسناد بعض مهماته لشركة ساهمت في تنظيم احتفالات الدولة العبرية بذكرى تأسيسها. فالمهرجان ينجح إذا اكتملت عناصره الثلاثة: تمكّن الجهة المنظمة من إتمام الترتيبات ومتابعتها من دون إشكالات، ثم حضور جميع المشاركين في المهرجان بحسب ما هو متفق عليه من دون اعتذارات، وأخيراً إقبال الجمهور على الفعاليات وعدم مقاطعتها وترك المدرجات خالية. وهذه العناصر الثلاثة تحققت أو أنها في طريقها للتحقق من دون عقبات ذات شأن، ما يدفع للاعتقاد أن المهرجان سينجح عملياً وفعلياً.  

والأمر غريب حقاً، فمن كان يتابع ردود فعل الناس على الأخبار التي ربطت المهرجان بالتطبيع، وتعليقات القرّاء المؤيدة للكتاب الذين تبنوا تلك الأخبار، ثم ردودهم وتعليقاتهم على الأخبار التي تواترت عن نية معظم "الفنانين" العرب مقاطعة المهرجان، ما كان ليتخيل أن تذاكر الحفلات الأولى ستنفد من الأسواق قبل أيام من بدء الفعاليات. وقد ظننا أن ما قاله بعض الذين هاجموا المهرجان واتهموه بالتطبيع، من أنهم نجحوا في حشد الأردنيين ضد المهرجان، وشكّلوا رأياً عاماً مناهضاً له، سيعني على أقل تقدير أن يعزف الناس عن حضور الفعاليات، فتتم مقاطعة المهرجان جماهيرياً حتى لو لاقى دعماً رسمياً. لكن هذا لم يحدث، فها هو الجمهور يُقبل على فعاليات المهرجان وحفلاته، ضارباً بعرض الحائط كل جهود "التحشيد" التي قام بها الرافضون.

ما الذي يمكن أن نستنتجه مما يحصل من نجاح شعبي وجماهيري للمهرجان، يناقض كل المؤشرات التي دفعت "الرافضين" للاعتقاد أن تحشيدهم نجح في فضّ الناس عنه؟

الأمر، بتقديري، لا يتعلق بفشل هؤلاء الرافضين للمهرجان في مسعاهم للتحشيد ضده، بل في استحالة نجاح أي عملية تحشيد للناس في مجتمعنا، تكون مستمرة ومتواصلة ويمكن البناء عليها. التحشيد الناجح بذاته هو المستحيل، ولا علاقة للأمر بمهرجان الأردن ولا بغيره. أما السبب، فيتعلق بما يعتور ثقافة مجتمعاتنا العربية، ومنها مجتمعنا الأردني، من خلل وعيوب تحول دون إتمام مهام وطنية جماعية، وهي عيوب سببها عدم موضوعية العلاقة بين المواطن والدولة، وعدم اكتمال فكرة المواطنة كأساس يحدد حقوق الشعب وواجباته، وهو ما يجعل الرأي العام متقلباً من دون منطق يحكمه، إذ يكفيه تصريح أو تلويح، لينفضّ عمن كان يناصرهم، ويتغير مزاجه وموقفه تماماً، وهذا بالضبط هو ما حصل من "الجماهير" تجاه الذين عملوا على تحشيدها ضد مهرجان الأردن الغنائي!

 هذا الواقع المحزن، يفتح الباب على مراجعة المقولات التي ترددت مؤخراً عن "الهوية الوطنية الناجزة". إن من اليقين أن أياً من الشعوب العربية المعاصرة، بما فيها المصري، لا يتوافر على هوية وطنية مستقلة وتامة ومتحققة و"ناجزة!"، وإلا لتحرك كل واحد منها باعتباره شعباً متماسكاً يعي حقوقه ويطالب بها ويسعى إلى فرضها. إن مسألة الوعي هي الأكثر غياباً عن مجتمعاتنا، فكيف يكون لها هويات وطنية حقيقية ومحددة، من دون أن تمتلك الوعي الذي تُبنى عليه الهوية الوطنية، أولاً؟!

ما يجري على أرض الواقع يومياً، يكشف أننا ما نزال في أول الطريق إلى إنجاز الوعي الذي يمكننا من الالتحاق بعربة التاريخ، ويدل على أن كثيراً من التخرصات التي يرددها البعض هنا وهناك، إنما تصدر عن أهواء شخصية لا تراعي الواقع ولا تفهمه. ولعل من السخرية، أن يكون من بين الذين تضرروا من حالة غياب الوعي وسرعة تقلب مواقف الناس ومزاجهم، في مسألة مهرجان الأردن، هؤلاء الذين يصدّعون رؤوسنا صباح مساء بحكاية الهوية الوطنية الناجزة، والموقف الشعبي الصلب والمتين!

 



أضف تعليقا