يعترض بعض الناس على أزمة السير الخانقة التي تشهدها شوارعنا وبخاصة في الصيف، بالاحتجاج على "إغراق" الشوارع بالسيارات الخاصة، فيقولون إنه في سنوات سابقة، حين كان اقتناء سيارة خاصة مكلفاً وبالتالي صعباً على كثير من الموظفين والحرفيين والمهنيين وغيرهم ممن يصنفون على ما يسمى "الطبقة الوسطى"، كان التحرك في الشوارع أسهل وأسرع، لكن "قرارات غير مدروسة" اتخذت قبل بضع سنوات وأدت لانخفاض قيمة جمارك السيارات، إضافة للتسهيلات البنكية الكبيرة التي باتت تقدم للراغبين من الموظفين، جعلت امتلاك سيارة خاصة أمراً متاحاً لكثيرين، ما أدى لمضاعفة أعداد السيارات التي تحمل لوحات أردنية (لا القادمة من الخارج فقط) في الشوارع، وبالتالي لوقوع أزمات السير في الشوارع الرئيسية والفرعية.
لسان حال هؤلاء المعترضين، المحتجين بحصول قطاعات واسعة من المواطنين على فرصة اقتناء سيارة لم يكونوا قادرين عليها في الظروف السابقة التي كانت قائمة قبل نحو عشر سنوات، يقول: الشارع ملك لنا وحدنا، ولسياراتنا، ولم يكن صائباً أن تتاح للآخرين فرصة مشاركتنا فيه إلا أذا ركبوا المواصلات العامة. لقد نغّص هؤلاء علينا حياتنا واستمتاعنا بالقيادة المريحة في "شوارعنا"!
وفق هذا المنطق، فإننا لا نواجه أزمة سير فقط، بل أيضاً أزمة أخلاق. فهذا المنطق الأعوج إنما يؤشر على أنانية ما بعدها أنانية، وعلى نظرة استعلائية يتعامل بها بعضنا مع شركائه في الوطن وإخوته في المجتمع.
والحقيقة أن مثل هذه "الأخلاق" هي أمر متوقع، نظراً للقيم الجديدة التي باتت تعتمدها مجتمعاتنا منذ نحو خمسة عشر عاماً في تكريمها للناس، والمستندة إلى قاعدة الثراء. وهي مسألة عائدة طبعاً للتحولات الاجتماعية الاقتصادية التي تشهدها هذه المجتمعات بالتزامن مع السياسات الاقتصادية الجديدة التي تحاول، ومن دون أن تنجح، تطبيق المفاهيم الليبرالية، فتأخذ منها أسوأ ما فيها في جانبها الاقتصادي الذي يضيق حياة غير الأثرياء، وتترك أحسن ما فيها في جوانب حقوق الناس المدنية والسياسية.
لقد استمعنا وقرأنا لعدد من المنظرين "المحترمين" الذين كانوا هم أيضاً ممن ينسب أزمة السير للسيارات الخاصة التي بات يمتلكها كثير من الناس. إن هؤلاء يدعون إذن لمنع "كل من هبّ ودبّ" من امتلاك سيارة، فشوارعنا لا تحتمل هذا الضغط كما يقولون!
على عكس هذا المنطق المتهاوي، نعتقد أن امتلاك سيارة خاصة هو حق لكل مواطن، لكن على الحكومة أن تسهل لمواطنيها ممارسة هذا الحق، بأن توفر وتطور بنية تحتية تجعل التنقل سهلاً دون أزمات. المشكلة إذن ليست في كثرة السيارات، بل في ضيق الشوارع وعدم تصميمها للتعامل مع سيارات كثيرة، فالوضع الطبيعي هو أن تكون السيارات كثيرة ما دام الراغبين بامتلاكها كُثر، وأن تكون الشوارع واسعة كي لا تحدث الأزمات.
ثمة إذن منظومة تفكير غريبة سائدة لدى الكثيرين منا، قوامها حل المشكلات بالهروب إلى مصادرة حقوق الناس، معتقدين أن ممارسة الحق هي المشكلة، بدل أن يكون الحل في تسهيل ممارسة تلك الحقوق. مشكلاتنا، ومنها مشكلة السير، سببها عدم تسهيل ممارسة الحقوق الطبيعية للناس، لا رغبة الناس في ممارسة حقوقهم، فهذه الرغبة هي الوضع الطبيعي.
لا بد هنا من القول إننا نتفهم أن تصميم الشوارع على ما هي عليه من ضيق في كثير من أحياء عمان، تمّ لأن الأحداث السياسية الكبرى التي وقعت في المنطقة خلال العقدين الأخيرين، وأدت لتزايد عدد سكان عمان وبقية المدن، لم تكن في حسبان أحد، ما يعني أننا لا نلقي لوماً كبيراً على الحكومة في هذا الشأن. لكن يبقى أن ننظر معاً إلى الأمام على قاعدة وجوب إتاحة المجال لكل الناس في ممارسة حقوق متساوية. أما أصحاب النفوس المريضة الذين يريدون توزيع حقوق الإنسان المدنية في بلادنا طبقياً، فيجب أن لا يُسمع لهم، إذ ألا يكفينا التوزيع الطبقي لبقية الحقوق الأخرى؟!









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية