مشكلة الحياة السياسية في بلدنا أنها ليست حياة سياسية! فهي في الحقيقة مجرد فضاء لتحقيق المصالح الشخصية -المالية على وجه الخصوص- بالنسبة لمن ينخرطون في "مؤسساتها" وأعمالها، وللتنفيس عن العُقد والأحقاد الشخصية والإقليمية والطائفية، بالنسبة لمن يشاركون في الجدال حول قضاياها، ويتخذون مواقف منها، ويطرحون آراءهم واقتراحاتهم تجاهها.
نقول هذا الكلام من دون تعميم، مدركين أن "عدم التعميم" هذا لن تستفيد منه إلا قلّة قليلة، تفهم أن للوطن مصلحة عليا، فلا تنظر إليه باعتباره مجرد "كعكة"، نتقاسمها حتى نرضى!
النوع الثاني من المتعاملين مع "السياسة"، باعتبارها ساحة للتنفيس، نجده هذه الأيام في مواقع الإنترنت "الإخبارية" التي تكاثرت من دون أن تلتزم التقاليد الصحفية، أو تخلق لنفسها تقاليد جديدة ملتزمة، حتى اختلط فيها الغث بالسمين. هذا الاختلاط، هو ما وفّر ساحة علنية ظاهرة للجدال حول ما يُفترض أنه "سياسة"، فتبدّى أن "الشعب" يستعمل الحدث السياسي من أجل التراشق المَرضي على أساس الأصل والدين، أو لتصفية الحسابات الشخصية، فيما تضيع القضية السياسية وراء المواقف المسبقة غير القابلة للتبديل، والتي لا يجدي فيها الحوار والإقناع والحُجّة.
يحار المرء في سبب هذه الظاهرة المرضيّة: هل نتجت عن تغييب الناس عن المشاركة السياسية، وتهميشهم لفترة طويلة تجاوزت الآن الخمسين سنة، منذ نيسان 1957، حتى تعودوا الغياب عن السياسة؟ لو أن الأمر كذلك لكانوا متعطشين للعمل السياسي، والاختلاف السياسي! أم هل نتجت عن انعدام الثقافة السياسية، والخبرة السياسية، عند السواد الأعظم ممن يظنون أنفسهم سياسيين أو مهتمين بالسياسة؟ لو كان هذا هو الواقع، لرأينا تطوراً في سلوك الناس تجاه السياسة من حدث إلى آخر، مكونين خبرة تتراكم مع توالي القضايا والنقاشات، لكن الحال ليس كذلك، فالتراشق السطحي والاصطفافات المقررة مسبقاً على أسس عنصرية، تظل على حالها ولا تتغير. أم هل نتجت عن انتهازية الحركات والقوى والشخصيات السياسية المؤثرة، التي ركّزت على تحقيق مصالحها أو بلوغ المناصب العليا، حتى لو تم ذلك من خلال إذكاء النعرات، ولم تهتم بخلق مناخات استقطاب سياسي على أساس البرامج والأفكار، وهو أمر تشارك فيه من يسمّون أنفسهم "الإسلاميين" و"الوطنيين" و"اليساريين"؟ ربما، لكن المفترض أن انكشاف تلك الانتهازية مع تعدد التجارب، تدفع الناس لقراءة الأحداث من زاوية حاجاتهم المعيشية واليومية والمستقبلية، لا من باب الانتصار لهذا أو لتلك، وفق أسس عنصرية.
الواضح أن هذا السلوك إنما يصدر عن نوع من "الأصولية"، تنبع من معايير محددة مسبقاً، لا بل انطباعات محددة مسبقاً، فلا ترى ما وراء غاياتها، ولا تقبل الاستماع إلى الآخر بموضوعية، ولذلك فهي لا تحسن دراسة وتقييم الحدث السياسي لذاته. لكنها ليست أصولية ذات أهداف نبيلة، قد يختلف المرء مع أفكارها، وإنما هي أصولية لا نُبل فيها، إذ لا فكر فيها!
يعرّف العفيف الأخضر (مفكر تونسي) الأصولية بأنها "هوس النقاوة": نقاوة العرق، نقاوة الهوية،.. إلخ. أليس هذا الهوس هو ما يصنع تلك المواقف المسبقة على أساس الأصل والدين؟!
هذا الانفضاض عن السياسة، نحو "وهم السياسة"، هو ما يترك الحياة السياسية فضاءً لتحقيق المصالح الشخصية، في المال والجاه والنفوذ وتوريث المناصب، لدى المنخرطين في المؤسسات السياسية والحاصلين على المناصب السياسية. هكذا، يفترق "الشعب" على أساس أصول أصحاب المناصب ودياناتهم، ثم لا يناله غير ضنك العيش، فالعمل السياسي الحقيقي محرّم عليه، والمشاركة السياسية –بالرأي- يُحرّمها هو على نفسه! فهل يحق له بعد ذلك أن يحتج على انعدام تكافؤ الفرص، وعلى المحسوبية، وعلى الفساد؟! بالطبع لا!

















01 يوليو, 2008 03:12 ص