لنتكلّم

المعركة الحضارية الحقيقية، هي: في المجتمع، ومع ثقافته.

عمّان مدينة بلا أبواب

قرأت باستمتاع المقال الشيّق الذي كتبه الدكتور مهند مبيضين حول عصامية ونجاح الدكتور عيد الدحيات، تحت عنوان "حين يفتح العلم لك أبواب المدينة" (صحيفة الغد الأردنية، والمقال منشور هنا في آخر الصفحة)، حيث روى مبيضين كيف استطاع الدحيات أن ينجح في عمّان، رغم أنه ليس ابناً لواحد من تجّارها أو أثريائها، بل ابناً مثابراً لعائلة ريفية متواضعة، دفعت ابنها للعلم، فكان أن ساهم في بناء مؤسسات الدولة الأردنية، كما ساهم الذين انخرطوا في سلك الدولة البيروقراطي والعسكري، من أبناء الفئة الاجتماعية ذاتها.

والحق أن الدكتور الدحيات، يستحق مثل هذا الثناء، فما حققه في مجالي العلم وإدارة المؤسسات التعليمية، لم يكن ليتحقق لولا إصراره على الكد والعمل، ما يجعله مثالاً يُقتدى للشباب الأردنيين المحبين للعلم.

لكن، ورغم استحساني للمقال، فإن لدي اعتراض منهجي على فكرته، من زاوية التاريخ الاجتماعي للدولة الأردنية المعاصرة. فلعل فكرة استعصاء "أبواب عمان" على أبناء الأرياف، وعدم ترحيبها بهم، وعدم توفيرها الفرص لنجاحهم، قياساً إلى ما يكون لأبناء أثريائها، ليست فكرة دقيقة تماماً، بل ربما مبالغ فيها بعض الشيء، تحت وطأة المسحة العاطفية التي تضمنها المقال، والناتجة عن إعجاب كاتبه بتجربة ونجاحات الدحيات، وهو –على أية حال- إعجاب في محله.

علينا أن نلاحظ أن معنى "النجاح" في تجربة الدحيات، يتمحور بشكل أساسي حول أمرين: التفوق الأكاديمي، وتبوء المناصب العليا. أما عن التفوق، فهو أمر ينتج عن جهد شخصي، وقد نال الدحيات بعثات علمية، محلية وأجنبية، لإتمام دراساته العليا في جامعات أجنبية راقية، نتيجة تفوقه، كذلك فقد ترقى أكاديمياً، نتيجة تميزه في تخصصه، كما يقول مقال مبيضين، فهو أمر لا علاقة له إذاً بمكان نشأته خارج العاصمة، ولا بإمكانات عائلته المالية، فهو يتساوى في فرصته هذه مع كل من زاملهم على مقاعد الدراسة، وإنما تميّز الدحيات بتفوقه الشخصي، ولم يكن ممكناً أن يوصد "باب العلم" في وجهه ما دام مثابراً ومجتهداً.

غير أن النقطة المحورية، إنما تتعلق بالجانب الآخر، وهو تبوء المناصب العليا في إدارات الجامعات، وهنا، في هذا المجال، لا يختلف الأمر عن "النجاحات" التي حققها أبناء الأرياف والمحافظات القصيّة في مناصب الدولة العليا، فهؤلاء هم من مثّلوا "النخبة البيروقراطية" التي أدارت الدولة الأردنية على مدار عقود طويلة، فلا يمكن القول –تاريخياً- أنهم واجهوا صعوبات في المشاركة في الإدارة المركزية للدولة، الموجودة في العاصمة عمّان، ما يعني أن عمّان لم تكن عصيّة عليهم، ولم يتطلب وجودهم فيها جهداً استثنائياً يفوق ما يلزم المقيمين في عمّان.

بل إن ما هو أقرب للحقيقة، أن الانخراط في الإدارة الأردنية، وتبوء مناصبها العليا، كان متاحاً للقادمين من الأرياف أكثر مما هو لساكني عمّان، بمن في ذلك أثرياؤها، الذين انحصر دورهم في القطاع الخاص، ولم نشهد لهم تواجد في الإدارة إلا في السنوات الأخيرة. أورد هذه الملاحظة لا من باب نقد ما تنطوي عليه، فلكل مرحلة اعتبارتها، بل من باب التذكير بها وحسب.

والحال أن عمّان لم يكن لها يوماً أبواب توصد في وجه القادمين من المحافظات البعيدة، بل على العكس، فقد كان لهم دوماً أن يحظوا فيها بما لا يحظى به سكانها، وهذا طبيعي لأن عمّان مدينة لكل الأردنيين، ولا أصحاب محددين لها، حتى أن المرء لا يجد من ينسب نفسه لعمّان، ويقول إنه "منها"، ثم هذا طبيعي لأن تركيز المواقع الإدارية في أبناء المحافظات، بما في ذلك في الجامعات، كان سياسة مقصودة اتبعتها الدولة الأردنية، وهذه أيضاً معلومة تاريخية مجردة، نوردها كما هي، لا من باب النقد ولا المناقشة، فهذا ليس مقامها.
وتالياً مقال الصديق الدكتور مهند مبيضين:
 
          عيد الدحيات: حين يفتح العلم لك أبواب المدينة
 

تكشف ملامح تطور النخبة الاردنية عن مسارين، الاول وهو مسار الذين عملوا منذ البداية في مؤسسات الدولة وكان اكبرها اثرا المؤسسة العسكرية والوزارات العامة، وهؤلاء كانوا أقرب إلى الموظفين، وغالبا ما اسهموا في تأسيس البنى العامة للدولة، ومسار آخر شكله رجال العلم، وبخاصة أولئك القادمون من الأرياف، من الذين استطاعوا ان يسابقوا غيرهم وينافسوهم ويثبتوا جدارتهم في زحام عمان الذي لم يكن يتسع بسهولة لرواد هذا المسار، فهم في الأغلب كما يقال بالعامية "أولاد حراثين" او ممن كدّ ذووهم من أجل ان يسير أبناؤهم على درب العلم الطويل الذي ثبت ان للاردنيين قدرة كبيرة في مخر عبابه برغم قلة الامكانيات، وعيد الدحيات واحد من الذين عبروا عن هذا المسار.

ولد الدحيات في الشوبك سنة 1945، تلقى تعليما بسيطا في كُتّاب البلدة ومدارسها حتى الثالث الإعدادي، ثم انتقل إلى ثانوية معان، وعنها يقول:" كانت الثانوية تجمع معظم طلاب الجنوب وكانت الحكومة تنفق علينا وتدفع أجرة البيت". كان من زملائه في تلك المرحلة رياض الحلو وفهد أبو درويش ومشهور المحتسب وعبدالله اللواما، وهؤلاء وغيرهم هم ممن عملوا في جهاز الدولة البيروقراطي.

في الثانوية العامة كان الدحيات مبرزا، فجاء ترتيبه العشرين على مستوى طلبة الضفتين والأول على محافظات الجنوب، والثاني على الضفة الشرقية، ليلتحق بعدها بالدراسة في الجامعة الأردنية في قسم الأدب الانجليزي عام 1963-1964، بعد أن كان يطمح في الذهاب إلى الجامعة الأميركية في بيروت لدراسة علم الاجتماع، ولكن قيام الجامعة الأردنية آنذاك جعل وجهته تتغير، وفيها نال هو وجيله ممن زاملوه في الدراسة في الأردنية ومنهم المرحوم إياد القطان وسمير النمري ومحمد العلاونه..الخ، تعليما مميزا على يد نخبة من أساتذة برنامج  Fulbright وغيرهم ومن أساتذته الانجليز والأميركان ومنهم ماكينلي وميلر ويوجين وايت.

تفوق الرجل في مرحلة البكالوريوس، فعين معيدا قي قسم اللغة الانجليزية في الجامعة الأردنية بين عامي 1968-1970 ثم أوفد للدراسة في الولايات المتحدة في العام 1973 ليتخرج  من جامعة كارولاينا الشمالية في تشابل هل بدرجة الدكتوراه في الأدب الانجليزي، وبين عامي 1974 -1992 عمل أستاذا  مساعدا ثم مشاركا ثم أستاذا في قسم اللغة الانجليزية في الجامعة الأردنية.

ترقى الدحيات في المواقع العلمية، ولدية سجل أكاديمي متميز على مستوى المنطقة العربية في تخصصه الدقيق والصعب في آن وهو أدب عصر النهضة، وهو من أوائل الحاصلين على منحة البرنامج الأميركي لتبادل الباحثين CIES منحة فولبرايت  Fulbright.

 ومع كثرة انشغالاته في مواقعه العلمية التي امتدت من أستاذ إلى رئيس قسم ثم إلى منصب نائب رئيس في الجامعة الأردنية ثم رئيسا لجامعة عمان الأهلية وصولا إلى رئاسته  لجامعة مؤتة، ثم هو اليوم رئيس مجلس أمناء جامعة العلوم التطبيقية. استطاع الناقد والأكاديمي البقاء في ساحة البحث والمعرفة، فلم تخطفه المواقع الادارية من متعة البحث، كما أنه تميز بجدية البحث والجلد وهذا ما جعل كتبه تترجم لعدة لغات وكان اشهرها كتاب جون ميلتون والثقافة العربية الإسلامية، الذي نشر عام 1986 بالانجليزية، وترجم إلى اللغة العربية ونشرت الترجمة العربية عام 1993م وفي هذا الكتاب كشف الدحيات عن الكثير من الحقائق الهامة ومنها: أن دراسته بينت أن مصدر الإشارات المرجعية لشبه الجزيرة العربية والأتراك العثمانيين وغيرها من الإشارات للبلاد العربية والإسلامية الموجودة في أعمال ميلتون مأخوذة من التوراة والروايات التاريخية الكلاسيكية اليونانية والرومانية وقصص الرحالة الأوروبيين خلال العصور. واظهر في دراسته أن الإدعاء بأن ميلتون قد تأثر بأبي العلاء المعري وبخاصة "رسالة الغفران" لا يعدو كونه ادعاءً باطلاً ينقصه الدليل والبرهان. فلم يسبق أن ترجمت رسالة الغفران إلى أية لغة أوروبية قبل القرن العشرين.

يتميز الناقد والأكاديمي عيد الدحيات بتنوعه ما بين العمل في عدد من المراكز المرموقة في الدولة أو الأكاديمية في الجامعات إضافة إلى انشغالاته النقدية والبحثية وتأليفه للكتب، وهو بحسب الدكتور محمد عدنان البخيت "واحد من القلائل الذين اكتسبوا تدريبا بحثيا جيدا في الغرب" فإضافة إلى كتابه "جون ميلتون والثقافة العربية"، فإن له كتاب "النقد الأدبي الإيطالي والإنجليزي في عصر النهضة الأوروبية " الصادر عن دار الجيل في بيروت في العام 1994، وصدر له مؤخرا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت وعمان كتاب "النظرية النقدية الغربية من افلاطون إلى بوكاشيو" هذا بالإضافة إلى نشره عشرات الأبحاث المحكمة في النقد والأدب في أبرز المجلات الأجنبية المتخصصة والعربية، وتعد هذه المؤلفات إضافة حقيقية ومعمقة للثقافة العربية.

استطاع الدحيات حين كان رئيساً لجامعة مؤتة أن يعيد للجامعة هيبتها، فكف أيدي المتنفذين من خارج الحرم الجامعي من الذين اعتادوا التدخل في سياسات وقرارات الجامعة قبل أن يأتي لها رئيسا، فقد ذكر الجامعة ومجتمعها بضرورة أن تؤثر الجامعة في المجتمع وأن لا يحدث العكس كما حصل بعده، ومع ان الجامعة في عهده كانت غير مترفة، إلا انه غامر بـتأسيس كلية للطب في جماعة مؤتة لخدمة اقليم الجنوب، وبقدر ما كان المجتمع المحلي يأخذ عليه عدم اندماجه معه، إلا أنه كان يؤمن بان الغاية من وجوده المضي بتعزيز استقلالية الجامعة عن الـتأثير المجتمعي الذي طغى عليها فيما بعد، فهو لم يؤمن بخلق التوازنات والتسويات على حساب العلم أو الكفاءة، لذا كانت مؤتة محظوظة في عهده الذي ذكّر الناس بزمن علي محافظة وعوض خليفات ومحمد عدنان البخيت.

ختاماً، فإن ما وصل له الرجل، تحقق بوساطة العلم والمعرفة، فهو ليس ابنا لتاجر او رجل دولة أو مقاولا عابرا؛ فقد حفر عنوان اقامته جيدا في عمان بمثابرته ومعرفته العلمية التي فتحت له أبواب عمان، دون ان ينسى الشوبك او يبتعد عن هموم أهلها.

 



أضف تعليقا