لنتكلّم

المعركة الحضارية الحقيقية، هي: في المجتمع، ومع ثقافته.

الدور الممكن لوزارة التنمية السياسية

لم تتغير نظرة كثيرين لوزارة التنمية السياسية، فهي ما تزال منذ استحداثها في العام 2003، بمثابة وزارة للعلاقات العامة: لم تُنجز شيئاً في مجال التنمية السياسية، ولا يمكن لها ذلك أصلاً!

كان الوزير محمد داودية، وهو أول من تولى حقيبة التنمية السياسية، يغضب إذا ما وصفت وزارته بهذا الوصف، تعليقاً على الحوارات واللقاءات النشطة التي كان يُجريها مع الأحزاب والمؤسسات المدنية والشخصيات السياسية. كان داودية محقاً طبعاً لغضبه، فقد بنى نشاطه على نوايا طيبة، وأمل بإنجاز التنمية السياسية فعلاً، لكن الآخرين، الذين وصفوا نشاطه بمساعي العلاقات العامة، كانوا محقين أيضاً، فقد كان واضحاً أن التنمية السياسية لن تُنجز، وهذا ما تأكد مع نهاية ولاية الوزير.

ليس ذلك فحسب، بل إن أياً من الوزراء الذين تلوا داودية، بمن فيهم الوزير الحالي كمال ناصر، لم يزيدوا شيئاً على حملات العلاقات العامة. ما بيد الوزراء حيلة، فليس ثمة شيء آخر يفعلوه: فلا هم قادرين على تطوير حضور الأحزاب التي هي أداة العمل السياسي، ولا هم قادرين على تطوير ثقافة المجتمع التي هي حاضنة العمل السياسي، وهذا طبيعي: فلا نشاط الأحزاب يخضع لإشرافهم، ولا مؤسسات التعليم والتربية والإعلام تستجيب لهم. الحقيقة أن أحداً لا يحمل وزارة التنمية السياسية على محمل الجد!

الأنكى من ذلك، أن كل وزير جديد يتولى هذه الحقيبة، يعيد الحملة التي فعلها سلفه، فكل الوزراء أعلنوا في أيامهم الأولى بالوزارة نيتهم "فتح حوار" مع الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني، وكلّهم يمضون أيامهم في حضور اللقاءات العامة والمحاضرة في الجمهور. لا نلوم الوزراء على أدائهم، بل على قبولهم تولي حقيبة بلا صلاحيات، ما يجعلهم مضطرين للانخراط في تلك الحملات الدعائية طيلة الوقت.

ما الذي تُخطط له الوزارة يا تُرى؟ بند "استراتيجية التنمية السياسية" على موقع الوزارة الإلكتروني، فارغ لا يحتوي شيئاً، فهل الوزارة بلا استراتيجية؟! أما نشاطاتها، كما يوضح الموقع ذاته، فتتركز على اللقاءات العامة مع الجمهور، التي عادة ما يحضرها الوزير بنفسه، ويلقي فيها –مشكوراً- كلمات مطولة تشرح ضرورة التنمية السياسية، تتبعها حوارات ونقاشات مع الحضور، يغلب عليها طابع المجاملات، ثم ينفض السامر من دون نتيجة، ولا حتى ثقافية ومعرفية، فالوزارة لا تملك خطة تشرحها، أو تسير عليها، كي تصل إلى إنجاز التنمية.

إذاً: لماذا الوزارة، وهي لا تُنجز شيئاً؟ في الحقيقة، وزراة التنمية السياسية، في البلدان "النامية سياسياً!"، هي على قدر كبير من الأهمية. لذلك، لا نطالب بإلغاء هذه الوزارة بدعوى عدم جدواها، بل بتطوير مهامها ومسؤولياتها وصلاحياتها، فالحقيقة أن وزراءها يكونون عادة في أشد الحماس للمساهمة في إنجاز التنمية السياسية، وتكون الأحزاب والمؤسسات المدنية في أشد التعطش للتعاون في ذلك السبيل، لكن أحداً لا يستطيع تجاوز جلسات المجاملات، إذ لا بديل لها، ولا مجال سواها.

وحتى نكون واقعيين، ونظراً للظروف الموضوعية التي تعيشها حياتنا السياسية (في الحقيقة: لدي إيمان راسخ بأننا لا نتوافر على حياة سياسية أصلا!)، فإن الدور الممكن لوزارة التنمية السياسية، هو ثقافي بحت، بمعنى أنه ينحصر في تغيير نظرة المجتمع للعمل السياسي، ويدفعه للانخراط فيه، باعتباره مجالاً لتحقيق مصالح الناس، والدفاع عنها، فضلاً عن المطالبة بها، وليس فقط مجالاً لتبنّي المواقف من القضايا السياسية الكبرى، التي لا تمس حياة الناس اليومية بشكل مباشر.

هذا الدور أيضاً، لا يمكن إنجازه من دون صلاحيات في المجالات الثقافية والتعليمية والإعلامية، تقود إلى تحقيق التنمية السياسية على المدى البعيد، على أن تكون صلاحيات حقيقية، وليست من نوع "العلاقات العامة"!

 



أضف تعليقا