لنتكلّم

المعركة الحضارية الحقيقية، هي: في المجتمع، ومع ثقافته.

أكتبُ إليكَ معتذراً

أيها التاريخ.

نعرف تماماً أنك لا تُصدق هذا الذي يجري: أمة ينوف تعدادها عن ثلاثمائة وثلاثين مليوناً، تشكّل ثالث أكبر تجمع سكاني في العالم، وتشغل موقع جغرافي متوسط بين القارات، يمثل نحو عشرة بالمائة من إجمالي مساحة اليابسة، وتطل على خمسة بحار، وتملك أكبر مخزون نفطي، وثروة مالية كبيرة، وتتوافر على خيرات وموارد لا حصر لها، وفيها من أبنائها أذكياء وخبراء ومهرة، لكنها تقف متفرجة على عدو احتل بقعة متوسطة من أرضها، وهو يشيع القتل والدمار في مليون ونصف المليون من أبنائها، يعيشون في 365 كيلو متر مربع من الأرض، من دون أن تحرّك ساكناً لردعه.

نشعر معك تماماً، أيها التاريخ. سيكون تدوين ذلك صعباً عليك. ستقول: لا ريب أن الأجيال القادمة ستظنني كذبت، أو أن أحداً ما حرّفني. معك حق، إننا نحن أنفسنا، الذين نعيش هذا الحدث ونراه بأعيننا، لا نكاد نصدقه!

لكن، أيها التاريخ، إن كتبت هذا الذي يجري، ولا ريب أنك ستكتبه، فنرجو منك أن تفصّل بعض الشيء، لتوضح الفرق بين صمت وآخر.

نحن الذين نرسل إليك هذه الرسالة، أناس بسطاء، نعيش على هامش الحياة. نحن أناس خائفون، يتملكنا الرعب حتى لا نقوى في أكثر الأحيان على قول الحقيقة أو الجهر بما نريد، حتى إننا نصمت عن انتهاك حرياتنا وخصوصياتنا. إننا لا نشارك في صياغة الأحداث، إذ لا رأي لنا يسمعه أحد، فنحن إذن لا نشارك في صُنعك كما يصنعك الآخرون، فلماذا ستظلمنا وتقول إننا قصّرنا ولم نتحرك؟.

الحق نقول لك: إننا لسنا أحياء، فحياتنا إنما هي "بعض بدائل للموت" كما يقول بيت من الشعر، فكيف لنا أن نتصرف إزاء أمر يمس الحياة والأحياء؟

بعض منّا، أيها التاريخ، يصرخ في مظاهرات واعتصامات ومسيرات. بعضنا الآخر يتحدث عبر وسائل الإعلام ليقول كلاماً لا يحفل به أحد. بعضنا أيضاً يلوذ بالبكاء، وبعضنا يهمس بحلوله المقترحة في مجالسه، ويخاف أن تسمعه الحيطان، إذ يُقال إن لها آذان. فهل هذه الأشياء مهمة لتكتبها، وهي لا تغيّر ولا تبدّل؟ لا ريب أنك، أيها التاريخ، لا تتسع لمثل هذه الأشياء الصغيرة، ولهذا، مثلاً، لم ترو لنا يوميات الناس البسطاء في ما سلف من أزمان، ذلك أنها ليست مهمة، ولن يلاحقها أحد.

سنقترح عليك اقتراحاً بديلاً. قبل أن تكتب في دفاترك أننا قصّرنا، ما رأيك أن تقترح علينا ما نفعل، مستعيناً بما لديك من معارف وقصص وأخبار، عن أحداث مماثلة وقعت قديماً أو حديثاً، فإن لم نستجب لك، يكون من حقك أن تكتب عنّا ما تشاء.

لن تجد في دفاترك قصصاً مماثلة، فلا تتعب نفسك. سنلفت نظرك لأمر مهم: لو كنا قادرين على التحرك الآن، في هذا الظرف، لكنا قادرين أن نتحرك قبل هذا، لنشارك في توجيه أحداثك بما يحقق أحلامنا ويصنع حريتنا، ولما كان هذا الذي يقع اليوم، ليقع أصلاً. غير أننا –كما قلنا لك- موتى ولكن نتنفس.

أيها التاريخ..

       نكتب إليك معتذرين عن هذا الذي يجري، لأننا لا نقدر أن نغيّر فيه شيئاً. ثمة آخرون –تعلمهم- صامتون ومقصّرون. هل ستصرّ على مساواتنا بهم؟ لو فعلت فربما لن يلومك أحد، لكن ما رأيك أن نعقد صفقة: تكتب عنهم أنهم قصّروا لأنهم تسببوا بهذا الحال غير المعقول في مواجهة العدو، وتكتب عنّا أننا قصّرنا لأننا تسببنا بحالنا غير المعقول، ورضينا بالتهميش على قارعة الحدث والدنيا، بل على قارعتك أنت، أيها التاريخ.

 



أضف تعليقا

محمد العمري
01 يناير, 2009 09:03 م
اخي المهندس سامر،،
اصبت بوصف هذا الحال ،غير اننا نحن البشر نكتب التاريخ ولا نكتب اليه ، وربما -اقول ربما - ان الحقبات التي كنا نعتبرها مضيئة في يوما ما لم تكن باحسن حال من اليوم لان الذين كتبوها جّمّلوها لنا حتى صارات الينا...