تربّع الإعلامي المثقف والمحترم "جورج قرداحي"، الآتي إلى عالم المعلومات والمسابقات والجوائز من دنيا الأخبار والإعلام السياسي، على عرش التقديم التلفزيوني، في نظر كثيرين، منذ انطلاق برنامجه الشهير "من سيربح المليون" على شاشة القناة الرائدة "إم بي سي" قبل نحو عشر سنوات.
لكن كثيرين أيضاً، فيما يبدو، يشعرون بالأسى تجاه برنامجه الجديد "القوة العاشرة"، ذلك أنه لا ينطوي على أية معلومات تُضاف للمشاهد، أو إثارة حقيقية تختبر المتسابق وسعة اطلاعه، أو حتى قدرته على التحليل والوصول إلى الإجابة الصحيحة، فالبرنامج يقوم على الحظ، لا شيء غير الحظ، فيطرح أسئلة لا يمكن أن يعرف إجابتها أحد، ويكون على المتسابق أن يتوقع و"يحزر!"، ثم إن الإجابة "الصحيحة" نفسها لا يمكن مراجعتها أو التأكد من دقتها، فهي نتيجة لاستطلاع تقول الشركة المنفذة للبرنامج إنها أجرته في عدد من الدول العربية، من دون دليل على ذلك.
يسأل البرنامج، مثلاً: ما نسبة العرب الذين عانوا يوماً من انهيار بسبب صدمة عاطفية؟ فكيف للمتسابق أن يعرف الإجابة إلا بالحظ؟ ثم كيف لنا أن نعرف أن "الإحصائية" التي يقدمها البرنامج، ويقرر على أساسها ربح المتسابق أو خسارته، صحيحة؟ وقبل ذلك كيف لنا أن نتأكد من "علمية" نتيجتها، بل ما إذا كان ثمة إحصائية من هذا القبيل أم لا؟!
وعلى هذا، يمكننا المغامرة بالقول إنه لو أجرت جهة موثوقة استطلاعاً لمعرفة نسبة العرب الذين يصدقون المعلومات الإحصائية التي يقدمها برنامج قرداحي، لحصلت على رقم متواضع، ولو بحثت عن نسبة العرب الذين يحفظون تلك الإحصائيات التي يزودهم البرنامج بها، أو يستفيدون منها كما يستفيدون من المعلومات المعرفية، لحصلت على رقم أكثر تواضعاً!
مثّلت برامج المسابقات التي أطلقتها القنوات الفضائية العربية في السنوات العشر الأخيرة، حالة مختلفة عمّا عهدناه من برامج مسابقات فيما مضى، إن من حيث مستوى الأسئلة المطروحة فيها، وبالتالي الفائدة العظيمة التي تقدمها للمشاهد، أو من حيث حجم الجوائز وآليات تقديمها، ففيها يميل المذيع إلى مساعدة المتسابق على الربح، لا على دفعه للخسارة كما كان يفعل مذيعو برامج المسابقات فيما مضى! هذا إلى جانب فكرة كل واحد من تلك البرامج (ومعظمها منسوخة عن برامج أجنبية)، وجودة إخراجها، فضلاً عن شخصية مذيعيها. وكان أن صنعت هذه البرامج نجوماً بالمعنى الحقيقي للكلمة، ليس من المذيعين فقط، بل كذلك من المتسابقين الذين حققوا ربحاً كبيراً، فقد صاروا مشهورين، وسعى بعضهم لاستثمار نجاحه تجارياً، فأصدر كتباً للمعلومات على شكل "سؤال وجواب".
نجاح ذلك النوع من البرامج، ظل دليلاً على قدرة الإعلام العربي على قيادة التغيير في وعي الشعوب العربية وثقافتها، وتوجيهها ليس فقط على طريق التقدم، بل كذلك على طريق وحدة الاهتمامات والشعور، ولهذا فإن تراجع مستوى هذه البرامج، وتغليبها البعد الترفيهي على المعرفي، هو أمر محزن ومؤسف.
ثمة ميل لدى الفضائيات العربية، ظهر مؤخراً في مختلف موادها وبرامجها، للتركيز على التسلية والابتعاد عن الجدية. ليس السبب تجارياً فقط، إذ يبدو -مثلاً- أن إقبال الجمهور على برامج المسابقات الجادة والغنية بالمعلومات، أكبر مما هو على برامج الحظ التي يستطيع أن يفوز فيها أي كان، ما يعني أن ثمة نكوصاً عن الدور التنويري المفترض للفضائيات، بعد أن استبشر كثيرون خيراً بها حين ورثت حقبة التلفزيونات الرسمية التي تبث 24 ساعة من دون أن تقول شيئاً! فهل يعني ذلك أن ثمة من تنبه لـ"خطورة" تنوير المجتمعات العربية ووحدتها الشعورية، فسعى لتقويض هذا الدور بالمال والنفوذ والضغوطات؟
هذه ليست "نظرية المؤامرة" أبداً!









28 ديسمبر, 2008 02:41 م