لنتكلّم

المعركة الحضارية الحقيقية، هي: في المجتمع، ومع ثقافته.

هل "الاقتصاد الإسلامي" هو الحل حقاً؟

مع تداعيات الأزمة المالية العالمية الأخيرة، التي نتجت عن اتجاه الدول الكبرى، بشكل متزايد، لترك اقتصادياتها لآليات السوق، وعدم اتخاذ قرارات حكومية تنظمها، ظهرت دعوات عديدة في العالم العربي تحث على تقديم "الاقتصاد الإسلامي" للعالم باعتباره البديل الناجح الذي يحول دون وقوع الأزمات، بدليل أن المصارف التي تأخذ بهذا النوع من الاقتصاد، كانت خارج الأزمة الأخيرة.

نبدأ أولاً باستذكار الأزمة التي حصلت. يقول خبراء الاقتصاد إن الأمر مرتبط بـ"دورة الكساد" التي لا بد أن يمر بها الاقتصاد الرأسمالي دورياً، حين يؤدي اتساع الفروقات الطبقية بين أصحاب العمل والطبقات العاملة، إلى زيادة المنتجات المعروضة (بفعل لجوء الأغنياء لاستثمار فوائضهم المالية في عمليات إنتاجية جديدة) مقابل انخفاض القوة الشرائية لدى السواد الأعظم في المجتمع. وفي العادة، يتم التحايل على هذه الأزمة، بالتوسع في عمليات الإقراض، بالاستعانة بفائض السيولة الكبير الذي يودعه الأثرياء في البنوك، ما يزيد القوة الشرائية لفترة معينة لدى الفقراء المقترضين، ويحول دون تعمّق كساد ما هو معروض من بضائع وخدمات.

هذه المرة، توسعت عمليات الإقراض أكثر مما ينبغي، بسبب غياب الرقابة الحكومية، إذ باتت البنوك تمنح قروضها من دون ضمانات سداد كافية، وبخاصة في مجال العقارات، وكلما فشلت عملية السداد، كان يتم بيع القرض من خلال منح قرض جديد، أكبر بالضرورة، وهكذا، وفي غياب أية رقابة حكومية، باتت البنوك في أزمة حقيقية، إذ هي غير قادرة على تحصيل أموالها التي قُدّمت على شكل قروض، فيما أن قيمة العقارات المرهونة لم تعد تكافئ قيمة القرض، المعاد بيعه أكثر من مرة، بخاصة مع تراجع أسعار العقارات إلى قيمها العادلة، بسبب انخفاض الطلب. وهذا كله أدى أخيراً لانهيار البنوك المقرضة. وبالطبع، لو أن الحكومات كانت تراقب وتتدخل، فإنها لم تكن لتسمح بتوسّع عمليات الإقراض من دون ضمانات كافية، وبالتالي كانت ستحول دون انهيار المصارف التي يودع فيها المواطنون أموالهم.

محور الأزمة إذن هو التهاون في منح القروض من دون ضمانات تغطي قيمتها. وما يقوله أنصار "الاقتصاد الإسلامي" إن هذه المشكلة محلولة لديهم، لأنه لا يتم منح قروض من "البنوك الإسلامية" إلا باشتراطات وقيود كثيرة، ترجع إلى ضرورة أن يتملك البنك نفسه، ولو شكلياً، العقار الذي يُراد "إقراضه" (أو أية بضاعة أخرى)، ما يعني أن قيمة العقار ستغطي بالضرورة قيمة القرض وتزيد، ثم إنه لن يتم "بيع القرض" بقرض آخر، هذا فضلاً عن أن هذه البنوك لا تمنح قروضاً إلا لشراء حاجيات عينية، ما يعني أن ثمة في كل الأحوال مستمسكات مادية تضمن حقوق البنك، أي حقوق المودعين فيه، على عكس البنوك الأخرى التي تمنح قروضاً مالية، أي تبيع المال للمقترض مقابل فائدة، فلا يكون ثمة رهن عيني لديها في معظم الأحوال، ومن ثم تكون نسبة المخاطرة في ممارساتها أكبر.

وهكذا، فإن ما يقوله دعاة "الاقتصاد الإسلامي"، باختصار، إن نظامهم يحمي الأغنياء من فشل الفقراء في السداد، من دون حاجة لتدخل الدولة. فلعل من الطبيعي إذن أن يطرح دعاة هذا الاقتصاد المنسوب إلى الإسلام، اقتصادهم باعتباره بديلاً، ذلك أنه هو الآخر، تماماً كما هو اقتصاد الرأسمالية المتوحشة، لا يحتاج تدخل الدولة، بل ينفر منها، فهو اقتصاد إسلامي، لمجتمعات شبه علمانية، في دول لا تأخذ بما يسمى نظام الإسلام السياسي!

هذا الاقتصاد الإسلامي إذن، هو الحل بالنسبة للأغنياء، لكنه ليس كذلك أبداً بالنسبة للفقراء، ذلك أنه لا يعالج أزمتهم، ولا يلبي طموحاتهم، ولا يسعى لمنع تعرضهم للتدفق الدعائي حول السلع والخدمات، الطامح لتعميق الثقافة الاستهلاكية، ثم –وهذا هو الأهم- لا يقدم أي خطاب عملي مقنع حول جسر الفروقات الطبقية في المجتمعات، إذ يحصر همومه في هذا المجال بحثّ الأغنياء على "الإحسان" للفقراء، مقابل وعدهم بدخول الجنة (وهو إغراء استثماري آخر!)، فهو إذن لا يعالج أساس الأزمة المتمثل بحصر الثروة في يد فئة صغيرة في المجتمع، وترك الأغلبية في درجات متفاوتة من الفقر والعوز، ففي هذا المجال، لا يمانع هذا الاقتصاد المسمى إسلامياً في الثراء الفاحش، والربح الفاحش، بل يسمي ذلك بركة في المال يمنحها الله لعباده الاتقياء، فيما يعيد الفقر لإرادة الله واختباره صبر العباد، ولقدر هؤلاء المطالبين بالصبر والاحتساب والصمت الطويل!

هل اقتصاد الأغنياء المنسوب إلى الإسلام، هذا، هو الحل حقاً والبديل للنيوليبرالية المتوحشة؟ بالطبع لا، فهو مثلها: لا همّ له إلا ثراء الأثرياء، ولا يطمح لعلاج أساس المشكلة المتمثل بالفروقات الطبقية الكبيرة.
أكثر من ذلك: هل يمكن أن يكون نظام اقتصادي كهذا، إسلامي حقاً، وهو لا يتطلع للفقراء إلا من زاوية الفوقية والإحسان؟ بالطبع لا، فالإسلام ليس ديناً لحماية الأغنياء، أي لتكريس عدم المساواة وغياب العدالة في توزيع الثروة بين الناس، بل على العكس هو دين العدالة الاجتماعية والمساواة بين الناس من دون النظر لأشكالهم وألوانهم. إن النظام الاقتصادي الإسلامي الحقيقي هو ذاك الذي يمنع –أولاً- الفروقات الطبقية، وساعتها لا يكون ثمة أساس موضوعي لأزمة مالية كبرى.


أضف تعليقا

فداء من الأردن
30 نوفمبر, 2008 11:23 م
مساء الخير
أنا لا أمتلك أساساً علمياً في الاقتصاد، ولكن ما يحدث الآن يستنفر فينا الرغبة في الفهم وأخذ العبرة.
أعتقد وأتفق معك في أن كلاً من التغول اللاأخلاقي وسيادة القيم الاستهلاكية، وسيطرة فئة قليلة تمتلك النسبة الأكبر من مصادر الثراء في هذا العالم على متغيرات ما يحدث في السوق العالمي هي كارثة حقيقية، والانفلات الذي قد لا يمكن كبحه إذا استمرت الأمور على ما هي عليه.
كما أعتقد بأن الاسلام نظام شمولي لا يمكن تطبيق أسسه ومبادئه و رؤاه في جانب دون جوانب الحياة المختلفة. وعليه يبقى أي تطبيق أو محاكاة لأي مفاهيم أو مبادىء قاصرة وعاجزة عن تحقيق دورها ضمن تلك المنظومة المتكاملة.
إني أتفهم حنقك الموضوعي نتيجة تغلغل تلك الفئة الميسورة حتى في محاولات التطبيق القاصرة تلك، ولكن ذلك القصور لا يعني رد أي محاولات للتطبيق، فهي قد ظهرت نتيجة مطلب جماهيري لها، وسط تخبط بين النظرية والتطبيق، وضمن قفر نخبوي متخصص أو نبذ للقليل الموجود منهم.
أنا أؤمن بأن التغيير حين يبدأ، لا ينتظر أحداً، و حين يحدث تكون أهواؤه واتجاهاته متضاربة وعشوائية، ولكن الوعي والمنهجية المتخصصة والوقت كفيل كله في تشذيب تلك العشوائية، وتوحيد الاتجاه.
شاكرة لك سعة صدرك
مع تحياتي
فداء