المؤتمرات الفكرية السنوية التي باتت تعقد باسم "المنتدى العالمي للوسطية"، بعد أن كانت تُنظم من قبل "منتدى الوسطية للفكر والثقافة"، هي مناسبة شبه سنوية هامة، ليس لمضمونها فقط، بل لأنها أيضاً تنبّه إلى أن "المسلمين" مقبلين بالضرورة على التخلص من أعباء الماضي في التعامل مع دينهم، على طريق الاندماج بالتاريخ من جديد، والعودة إلى مسيرة النهوض.
"الوسطية" التي تروج لها هذه المؤتمرات، وتقوم على "المشتركات"، أي على "المسلّمات" التي لا جديد فيها، هي خطوة تاريخية هامة، ولكن عابرة، للوصول إلى جوهر الإسلام الحقيقي القائم على حرية الفرد والفكر، المؤطرة أخلاقياً برباط مباشر بين المرء وخالقه، من دون وساطة رجال الدين، وهو الجوهر الذي يقع على الضد تماماً من الفهم السلفي المتطرف للإسلام، السائد حالياً سواء على المنابر أو لدى الحركات الإسلامية المعترف بها.
حتى لا يكون هذا الكلام تنظيراً في الفراغ، سنضرب مثلاً من المؤتمر الرابع الذي انعقد خلال الأيام الماضية بعنوان "نحو مشروع نهضوي إسلامي" (عمّان 16-18 تشرين الثاني/ نوفمبر 2008). لم يراجع المؤتمر مشروع النهضة العربية الذي انطلق على أساس إسلامي منذ كتاب رفاعة الطهطاوي الشهير "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" الصادر في العام 1834، ثم تعطّل منذ حطّت جيوش الاستعمار في بلادنا خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ولم يدرس مكامن الخلل وكيفية استعادة المشروع المتعطّل. ما فعله المؤتمر –في خلاصته- هو الحديث عن أسس النهضة، مستعيناً بالفلسفة النهضوية التي صاغها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، أي القائمة على فكرة سلفية معتدلة و"إصلاحية"، مفادها أن الرد على الاستعمار يكمن في "العودة" إلى الإسلام كما فهمه السلف، ولكن مع تعديلات طفيفة وشكلية هنا وهناك تجعل ذلك الفهم ملائماً للعصر. ورغم أن هذه الفلسفة مثّلت نكوصاً عن المشروع النهضوي بصيغته "الطهطاوية" الأولى، حين كان تجديدياً وليبرالياً بالمعنى الاجتماعي والفكري، إلا أن هناك من لا يزال يرى أنها فلسفة صالحة للنهوض، وهذا طبعاً حقه، ما دام دافعه نبيلاً، ومثاله تيار الوسطية الموجود الآن، وما يقدمه في مؤتمراته معتبراً أنه مشروع إسلامي نهضوي حقيقي.
المؤتمر والمؤتمرون لم يعلنوا صراحة أنهم تلامذة مدرسة محمد عبده، لكنهم في الواقع كذلك، ولا أظن أحداً منهم ينكر ذلك لو سُئل عنه. ومعنى هذا أن تيار الوسطية، يستعيد المشروع النهضوي انطلاقاً من أواخر القرن التاسع عشر، مستعيداً معه، ظروفه ومشكلاته التي جعلته مشروعاً غير صالح للنهضة. لكن، ورغم أن المشروع النهضوي الوسطي هذا، لا يمكن أن يكون ناجحاً، إذ أن النجاح مرهون باستعادة المشروع الليبرالي الذي صيغ قبل الاستعمار، وعطّله الاستعمار، فإنه يظل خطوة مهمه على طريق التخلص من السلفية المتطرفة، التي باتت تملأ الأجواء منذ سبعينيات القرن العشرين، متخلية عن كل الهموم النهضوية بمعناها الحضاري، هذا من أجل استعادة ليبرالية الطهطاوي من جديد، ذلك أنه لا يمكن الانتقال من السلفية المنغلقة إلى الليبرالية، بخطوة واحدة.
لا يعني هذا أن حملة المشروع النهضوي بصيغته الطهطاوية مطالبين بالفرجة حتى يمهّد الوسطيون الأجواء، فثمة ما عليهم عمله حتى لا تطول هذه الخطوة الوسطية، ومنه صياغة أفكارهم صياغة متماسكة، والتحوّل إلى تيار حقيقي، فهم ما يزالون فرادى.
على أية حال، نشد على أيدي "الوسطيين"، ليؤدوا رسالتهم التاريخية العابرة، ويمهدوا الطريق للتغيير القادم لا محالة في الثقافة الإسلامية، النخبوية والشعبية، الذي فيه تستعيد الأمة مشروعها النهضوي الحضاري الحقيقي، ذي المضمون الإيجابي الإعماري، لا المضمون السلبي القائم على الرد على الآخر المخالف، سواء كان هذا الآخر استعماراً أجنبياً، أو تطرفاً إرهابياً داخلياً.









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية